شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٠٤لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مسرع /96]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء/ 94]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت /9]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
خالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة /7 - 8]. بَلْ بَينَ سبحانه أنه لا نَجَاةَ لأَحَدٍ مِنَ الخُسران الذي حكم به على جنس الإنسان بالإِيْمَانِ وَحْدَه حتى يكون معه العَمَلُ الصالِحُ والتَّوَاصِي بالحق والتَّواصي بالصبر، وذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي حُسْرِ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر /1 - 3].
ذلك لأن العمل هو تحسيدٌ لحقيقة الإيمان وتصديق لَهُ – كما سبق ذكره -، وإِنَّما قَدَّمَ الْمُصنّف - رحمه الله - عليه العلم لأنّ العِلْمَ إِمَامٌ وَالعَمَلَ تَابِعُه، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ التمييز بين الصالحات والسيئات إلا به، مع شموله لأصل العمل وهو الإيمان، فإن الإِيْمَانِ الْحَقَّ لا يكون إلا مَبْنِيًّا على العلم، فإن الله فَرَضَ عَلَى عِبادِهِ الإِيْمَانَ بِحَقائق لا ينبو العلم عن شيءٍ منها، بل جميع دلائله تحف بها وتُؤَيِّدُها، وليست قضايا الدين التي يَحِبُ الإِيْمَانُ بِهَا في الإسلام خيالات وأوهاما؛ كما هو الشأنُ في غَيْرِهِ، بل هِيَ حَقَائِقُ تَشْهَدُ لَهَا العُقُولُ وتَدْعَمُهَا النُّقُولُ.
ثالثها: النِّسيَّة؛ وهي إخلاص العمل الله وحده، وهي رُوحُ العمل، إذ لا قيمة له بدونها، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة /]، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف / 11].
ورَوَى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمالُ بالنِّيَّات ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى»، وَرَوَاهُ الشَّيْحَانِ وغَيْرُهُمَا من طريق بِلَفْظِ: «إِنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى، فَمَنْ كانت هجرته
95