شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٠٥إلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله ورسوله، وَمَنْ كانت هجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةِ يَتَزَوَّجُهَا فَهَجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِليه»
وكَوْنُ الأعمال بالنِّيَّات دليل على أن العمل لا قيمةَ لَهُ بِدُونِها، فقد يأتي الإنسانُ العَمَلَ مستقيماً تاما ليس به اعوجاج ولا خَلَلٌ، ولكنه يَكُونَ وَبَاءً عليه ووَبَالاً. لأَنه مِمَّا يَتَقَرَّبُ به إلى الله وهو لَمْ يَقْصد به وَجْهَه تعالى، كأَن يُصلّي أو يتصدق أو يَحُجَّ أو يُجَاهِدَ؛ لا لامْثَالِ أَمْرِ الله ولكن مُرَاعَاةٌ للنَّاسِ، لَيْنَالَ بَيْنَهُمْ شُهْرَةَ الصَّلاحِ والتقوى، فإنَّ هذا تَقَرُّبُ إِلَى النَّاسِ بِمَا يُتَقَرَّبُ به إلى الله، ولذلك عُدَّ مِنَ الإِشْرَاكِ، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف / 11 /. وبما أن النِّيَّةَ الْمَطلوبةَ شرعًا هِيَ إِخلاص العَمَلِ الله وَحْدَهُ؛ فَإِنَّهَا سِرُّ بَيْنَ العبد وربه، وليست قولاً باللسان - كما هو تَصَوُّرُ عَوَام الناس -، حتى أصبَحَت النيةُ عندهم لا يُعْتَدُّ بها ما لَمْ يأت بها صاحبها نُطقاً، وَلَرُبَّما كان هذا النُّطْقُ مُجَرَّدَ تَمْتَمَة باللسان من غير استحضار لمعانيها، وهذا يعني. النية رأسًا، إِذِ النيةُ لُغَةٌ وشرعًا لا تعني النطق، وإنما هي حقيقة القصد بالقلب، فَمَنْ قَصَدَ بالعمل شَيْئًا فَقَدْ نَوَاهُ حَسْبَ
قصده ذلك
،
ولَمْ تَكُنْ هذه الكلماتُ الْمُغَيِّرَةُ عن النِّسيَّةِ مَعْهُودةً زَمَنَ النبي صلى الله عليه وسلم وَلَا زَمَنَ الرعيل الأول - وَهُمُ الصحابة والتابعون -، وإِنَّما أَحْدَتَها مَنْ أَحْدَثَهَا مِنْ بَعْدُ تَعلِيمًا للعوام كيف يَنْوُونَ، وذلك عندما فَشَا الجهلُ في الناس فاحتاجوا إلَى تَبصير بمَا يَنْوُونَ، ولا قائل بأنَّها وَحْدَها تكفي عن القصد، ولكنْ لِفُشُو الجهل وتبلد الأذهان أصبحت في الناس هي النية المطلوبة، وأصبحت غاية لا وسيلةً، فقد ضاع الْمَقْصِدُ لاشتغال الناس بالوسيلة دُونَه، والله الْمُسْتَعَان. وهذا ممَّا يَدْعُو إلى ضَرُورَة تبصير النَّاسِ بِالْهُدَى وتعريفهم بحقيقة النية، ودعوتهم إلى أن يكتفوا باستحضارها في أَذهَانِهِمْ عِندما يَقُومُونَ إلى العبادات دُونَ تَرْحَمَتِهَا إِلَى أَقْوَالِ تُرَدَّدُ بِالنِّسَان.
97