شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١١٣

وميزة هذا الْمَسْلَك أن نظام الدين فيه يُطَبَقُ على الأُمَّة بغير استثناء، فتقام فيه

حُدُودُ الله ويُؤْمَرُ فيه بالْمَعْرُوف ويُنْهَى فيه عن الْمُنْكَرِ، وَيُنْصَرُ فِيهِ الْمَظْلُومُ ويُغَاتُ فيه الْمَلْهُوفُ، ويُقْبَضُ فيه على يَدِ الظَّالِمِ، ويُؤْطَرُ فيه على الحَقِّ أَطْرًا، كما تُصَانُ فِيهِ أَرْضُ الإسلام وتُحمَى فيه بَيْضَتُهُ

ثانِيهَا: الشَّرَاءُ؛ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتُلُونَ﴾ [التوسة/ 111]، فَالسُّرَاةُ بَاعُوا نُفُوسَهُمْ لِلَّهِ يَبْتَغُونَ رِضْوَانَهُ وَا

وَالشَّرَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَالِ عَدَم ظُهُورٍ كَلِمَةِ أَهْلِ الحَقِّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ العدو مُتَسَلَّطًا عَلَيْهِمْ، يُنْزِلُ بِهِمُ الْمَصَائِبَ وَيَسْعَى إِلَى صَدِّهِمْ عَنِ الهُدَى، وَلَا يُبَالِي بانتهاك الحرم وإضاعة الحقوق ونهب الأموال، فتتبرِي طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِمُحَاوَلَةِ الْحَدِّ منْ هذا الفساد، لإقلاق العَدُوِّ ومُحَاوَلَة مُبَاغتته تأديبا على تصرفاته

وذلك كما وقع في عهد بني أمية عندما وَلِيَ لَهُمْ زِيَادُ بن أَبِيهِ، فَأَخَذَ يَتَتَّبَّعُ أَهْلَ الْحَقِّ تقتيلاً وتشريدا وتمثيلاً، ولَمْ تَسلم النساء مِنْ بَطْشِهِ، فقد أَخَذَ البَلْجَاءَ بِنَكِيرِ ظُلْمِهِ، وشَفَى عَليلَ نَفْسه بقتلها وتمثيلها وتَعْرِيتِهَا مِنْ ثيابها، وكانت – رَحِمَها الله - مثالاً لِرَبَاطَةِ الْحَاشِ وصلابة الْمَوْقِف أمامَ طُغيانه وحِقْدِهِ، حَتى مَضَتْ شَهِيدةً إِلى رِضْوَانِ الله، فانبرى أهلُ الغَيْرَة والشَّهامة والتَّحْدَة والْمُروءَةِ وبايعوا أَبَا بِلالِ الْمِرْدَاسَ مِنَ حُدَيْرِ - رحمه الله -، فَخَرَجَ بِهِمْ أَبِيا أَنْ يَسْتَعْرِضَ الناسَ بِالسَّيْفِ إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُ، وكانوا شَوْكَةً في جَنْبِ العدو، فَهَزَمُوا - وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلاً - أَلْفَي مُقَاتِلِ بِآسَكَ، وكانوا مثالاً للصلابة وقوة الشكيمة ومَضَاءِ العَزِيمَة، حتى أَقْلَقُوا زيادًا وجُنْدَه، ثُمَّ مَضَوْا في سبيل الله شهداء بعد ما سَجِّلُوا بدمائهم تاريخ البطولة والفداء. بَايَعَ صَحْبَهُ عَلَى الشِّرَا وَمَا طالَ زَمَانَهُ إِلَى أَنْ أَكْرَمَا نَالُوا الشَّهَادَةَ التي قَدْ طَلَبُوا وبرضا الرَّحْمَنِ فِيهَا انْقَلَبُوا

104