شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١١٤

ولا يكون الشراء عند أصحابنا إلا بأربعين رَجُلاً، وَلَعَلَّهم أَحَذُوا ذلك مِمَّا كان

في عهد الرسول عندما أَسْلَمَ عُمَرُ الله، فَتَمَّ بإسلامِهِ عَدَدُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أربعين، وقد كانوا مِنْ قَبْلُ يَعْبدون الله مُسْتَحْفِينَ في دار الأرقم، ولكنَّهم خَرَجُوا بَعْدَ ذلك مُتَحَدِّينَ كَبْرِيَاء الجاهلية وليس لِمَنْ بايَعَ على الشراء تَرَاجُعٌ إلى أنْ يَلْقَى اللَّهُ وَحْدَه، لأنه بايع على

الْمَوْتِ، ولو بَقِي بنفسه، وقيل إِنْ نَقصُوا عن ثلاثة كانوا فِي حِلّ مِنْ أَمْرِهِمْ. والمشهور في الْمَذْهَبِ: أَنَّ الشَّارِي لا تَحُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ، وأَجازَهَا لَهُ الْمُحَقِّقُ الخليلي - رحمه الله تعالى - عند الحاجة إليها، مُعَلّلاً ذلك بِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسه ليس

أَوْجَبَ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّه عليه

*

وهؤلاءِ إِنَّمَا يَخْرُجُونَ مِنَ الأوطان، فإِنَّهم لا وَطَنَ لَهُمْ إِلَّا حَيْثُ يُشْهِرُونَ

سيوفهم، فحَيْثُمَا أَشْهَرُوا سُيوفَهم أَنمُوا صَلَاتَهُمْ.

ثالثها: الدفاع؛ وهو أن يجتمع المسلمون عندما يُفَاحِبُهُمْ عَدُوُّهم بالانقضاض عليهم على مُبَايَعَة أحد منهم ليقودهم دِفَاعًا عن دينهم وعن حُرُمَاتِهِمْ، إِلَى أنْ تَنْحَلِي العُمَّةُ وينكشف العدو، وتنتهي بذلك بيعته.

وهذا كما وَقَعَ لإخْوانِنَا أهلِ الْمَغْرِبِ؛ عندما كَثَرَ أبو تَمِيمِ الفَاطِمِيُّ الْمُلَقْبُ بالْمُعِزّ عن أَلْيَابِهِ العُصْلِ فَقَتَلَ عَالِمَهُمْ أبا القاسمِ يَزِيدَ بن مخلد الوِسَّيَانِي – رحمه الله -، فاجتمع منْ كان حَوْلَه على مبايعة أبِي خَزْرٍ الوِسَّيَانِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ - إِمَامَ دِفَاعِ لَهُمْ، يَقُودُ مُجَاهِدِيهِمْ في سبيل الله حماية لدينهم ولحقوقهم، ولكنَّ الحملة التي قادها أبو خزر مُنيَتْ بِالْهَزِيمَةِ والفَشَلِ، لأَنَّها لَمْ يُخَطَّطْ لَهَا مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا كَانت أَمْرًا ارْتِجَاليًّا دَفَعَتْهُمْ إليه الغَيْرَةُ والحَمَاسُ كما سَمَّلَتْهُ الْمَصَادِرُ التاريخية.

ومِنَ العلماءِ مَنْ ذَهَبَ إلى أن بيعةَ عبدالله بن وَهْبِ الرَّاسِيِّ - رَحِمَهُ الله - كانت بيعة دفاع، ومِنْ بَيْنِ هؤلاء العلامة الكنْدِيُّ شارِحُ هذه الْمَنْظُومَةِ - رَحِمَه الله تعالى، وليس ذلك بشيء، فإن أحداث البيعة تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانت بَيْعَةَ ظُهُورٍ،

105