شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١١٥لأنهم وَلوْهُ أَمْرَ الْمُسلمين بعد أن أصبحوا لا قائدَ لَهُمْ حين وَقَعَ التحكيمُ واتَّفَقَ الحَكَمَانِ على خلع الخليفة الشرعي الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -، مع ما تم من
الاتفاق بينه وبين خصمه معاوية بن أبي سفيان على تحكيم ذَيْنِكَ الحَكَمَيْنِ. رابعها: الكثمَانُ؛ وهو خلاف الظهور معنى وحُكْمًا، وذلك بأن يكونَ المُسلمون في ضَعْف وتششت، بحَيْثُ لا يُمكنهم أَنْ يَسْلُكُوا أَيَّ مَسْلَك مِنَ الْمَسَالِكِ الثلاثةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ قَبْلُ، وَلا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَرْجِعِ يَرْجِعُونَ إِليه يَدُلُّهُمْ عَلَى الرُّشْدِ ويُذكرهم بالله وباليوم الآخر، ويُصلح ذات بينهم، ويقوم بِمَا أَمْكَنَهُ من مصالحهم. وهذه الحالة التي مَرَّتْ بِهَا الدَّعْوَةُ إِيَّانَ نُشُوتِها فِي الْمُجْتَمَعِ الْمَكِّيِّ، فَإِنَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يَلْتَفُونَ حَوْلَه في كثمَان مِنْ أَمْرِهِمْ، وَيَتَلَقَّوْنَ عنه ما يُصْلِحُ دينهم ودنياهم، ويُنير لَهُمُ الطريق ويُبَيِّنُ لَهُمُ الحقيقة
وقد كان هذا هو
مسلك الإمام أبي الشَّعْتَاء جابر بن زيد - رَضِيَ اللهُ تعالى
عنه - عندما أبصر ببصيرته الثاقبة تَغَذَّرَ النظام أمْرِ الْمُسلمين في وقتِهِ واجتماعِ شَمْلِهِمْ على القيام بإنشاء نظام إسلامي يَتَحَدَّى النظام القائم آنذاك
وعَلَيْهِ دَرَجَ تلميذه وخليفته العملاق القائدُ الْمُحنَّكُ والرَّائِدُ الْمُسَدَّدُ أبو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بنُ أَبِي كَرِيْمَةَ التَّمِيمِيُّ - رِضْوَانُ الله عليه -، الذي نَصْحَ فِي عَهْدِهِ الْجَهْدُ، فآتت الدعوة على يديه ثمَارَها الطيبة، إِذْ تَمَخَّضَتْ عن ميلاد بَيْعَات لأئمة ظُهُور بارزين، فقد بويع لأربعة من تلامذته بَيْعَةَ ظُهورٍ، فَصَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عليه إلى أن قَضَوْا نَحْبَهُمْ باذلينَ أَنفُسَهم في سبيل الله، وَهُمْ: طالبُ الْحَقِّ عبد الله بن يحيى الكندي، الذي أظهَرَ الحَقَّ وَالعَدْلَ بِأَرْضِ اليَمَنِ،
وشَمِلَ حُكْمُهُ أَرْضَ الحِجَارِ، وَوَصَلَتْ حَيْلُهُ إلى وادي القرى. والجلندى بن مسعود الذي بويعَ بِعُمَانَ، فَصَالَ على الباطِلِ صَوْلَةَ اللَّيْثِ الْهَصُورِ، وبَذَل نفسه ونفيسه في طاعة الله ونصرة دينه، إلى أن فاضَتْ رُوحه في سبيل الله
1.7