شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١١٨فرز الدين
39 وَفَرْزُهُ فِي ثَلاث: مُؤْمِنٍ وَمُنَا * فِقٍ وَصَاحِب شِرْكَ جَاحِدِ عُذلا الفَرْزُ هُوَ التَّمْيِيرُ والفَصْلُ، والْمُرَادُ بِهِ هُنَا هُوَ: تَمْيِيرُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ،
والفَصْلُ بَيْنَ أحْكَامِهِمْ بِحَسَبِ مُعْتَقَدَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمُ الدِّينِيَّة.
وَهُمْ بِهَذَا الاعْتِبَارِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى ثَلَاثِ طَوَائِفَ:
أولها: الْمُؤْمِنُونَ:
وَقَدْ سَبَقَ بَيان حقيقة الإيمان ومعناهُ لُغَةٌ واصطلاحًا، وتبيان صفات المؤمنينَ حَسْبَ ما تَدلُّ عليه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة.
وَتَقَرَّرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أن الإيْمَانَ الْمَطلوب هو عقيدةٌ رَاسِحَةٌ في النفس، تَنْشأ عنها الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأقوال الصادقةُ، وَهُوَ رُوحُ الحَياةِ وَمَلاكها، تتحول به النفوسُ وتَنْقَلِبُ به الطباع إِلَى أَصْدَادِ مَا كانت عليه، كَمَا حَدَثَ ذَلِكَ لِسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ عندما كانوا لا يَعْرِفُونَ قيمة للحياة إِلا بِقَدْرِ ما يَكسِبُونَه مِنْ مَنَافِعَهَا الْمَادِّية، فَلذَلكَ قالوا لفرْعَوْنَ عندما أَتَوْا لتَحَدِّي موسى - عليه السلام - وَدَعْوَتِهِ: أَإِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْعَالِمِينَ} [الشعراء/41].
وقد أَدْرَكَ اللَّعِينُ ما تَتَطَلْعُ إِلَيْهِ أَفْئِدَتُهُمْ وتَطِيرُ مِنْ أَجْلِهِ الْبَابَهُمْ، وَهُوَ ما يُؤْتُونَهُ مِنَ الْمَالِ وما يُيَوأُونَهُ مِنْ مَقَاعِدِ التَّكْرِيم والزَّلْفَى، فَلِذَلِكَ أَضَافَ إِلَى مَا ذَكَرُوهُ مَا لَمْ يَذْكُرُوهُ؛ إذْ رَدَّ عليهم بقوله: هو نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الشعراء/42]. ولكن عندما أشْرَقَ الإيْمَانُ على قلوبِهِمْ فأَحْيَا ضَمَائِرَهُمْ وَأَنَارَ بَصَائِرَهُمْ تَبَدَّلَتْ نظُرَتُهُمْ هَذِهِ إِلَى الحَيَاةِ، فَلَمْ يَرَوْا لَهَا قِيمَةً إِلا بِقَدْرِ ما يَكُونُ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ بِكَلِمَةِ الحَقِّ ونُصرته، وَلَوْ كان ثَمَنُ ذلك هو الْحَياةَ كلها، فلذلك رَدُّوا عَليهِ بِقَوْلِهِمْ: {لَنْ نُؤْثِرَكَ
1.9