شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١١٩عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرْنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضِ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ
الدُّنْيا} [طه/172. فما أسْرَعَ هذا التَّحَوُّلَ منَ النَّقيض إلى النقيض! وما أَعْجَبَ هذا التَّبَدُّلَ في الطَّبَاعِ والمَعَابِيرِ والتَّصَوُّر! على أن ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَدَرُّحًا؛ بِحَيْثُ أَخَذَتْ تَنْحَلُ عُقَدُ تَصَورَاتِهِمُ السَّابِقَةِ شَيئًا فَشَيْئًا، وإِنَّما كان ذلك أمرًا مُفَاجِبًا فِي نَفْسٍ لَحَظَاتِ مَوْقِف الحِوَارِ، فَمَا الَّذِي جَعَلَهُم يُلْقُونَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كُلَّ مَا كَانُوا عَليهِ مِنْ قَبْلُ، وَيُوَدِّعُونَ نيَاتَهُمُ الأُولَى بِحَمِيعِ تَصَرُّرَاتِهَا وأَفْكَارِهَا وَمَوَازِينَهَا وَمَعَايِيرِهَا؛ لِيَسْتَقْبِلُوا حَيَاةً جديدةً تَتَّسم بخلاف ما كانوا عليه مِنْ قَبْلُ ظاهرا وباطنا؟ إِنَّهِ الإِيْمَانُ الذِي حَوَّلَ الطَّبَاعَ غَيْرَ الطَّبَاعِ والأَفْكَارَ غَيْرَ الْأَفْكَارِ وَالنُّفُوسَ غَيْرَ النُّفُوسِ.
وهكذا كانَ أَثَرُ الإِيْمَانِ في نُفُوسِ الرَّعيل الأَوَّل الَّذِينَ بايعوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الحَقِّ، ونَفَضُوا عَنْ أَنفُسهم كُلُّ ما عَلق بها من غبار الماضي، بَلْ تَطَهَّرُوا بِمَعِينِ الإِيْمَانِ الدَّفَّاقِ ظَاهِرًا وَبَاطِنَا مِنْ مَاضِيهِمْ كُلِّهِ، لَيَعُودُوا كَأَنَّمَا أُنْشِلُوا نَشَأَةً جَدِيدَةٌ بِنُفُوسِ غَيْرِ نُفُوسِهِمْ، وَطَبَاعِ عَكْسَ طَبَاعِهِمْ، وَمَشَاعِرَ تَخْتَلَفُ كُلِّ الْاخْتِلَافِ عَنْ سَابِقَتِهَا، فَتَالَفُوا بَعْدَ النُّفْرَةِ، واتَّحدُوا بعد الفُرْقَةِ، وَصَارَ كُلَّ مِنْهُمْ يُحِبُّ للآخرِ – الذي كان يوما ما حمَهُ اللدود - ما يُحبُّهُ لنَفْسه
وهكذا شَأْنُ الإِيْمَانِ دائمًا، فإِنَّه يَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَسْتَعْلِي عَلَى رَغَبَاتِ نَفْسِهِ
وضَرُورَاتٍ حَيَاتِهِ، لِيَكُونَ هَمُّهُ كُلُّهُ في إِرْضَاءِ رَبِّهِ ونُصْرَةٍ دِينِهِ وَالنُّهُوضِ بِأُمَّتِهِ. ولِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حُقُوق ووَاحِبَاتٌ، أَحْمَلَهَا القُرْآنُ وفَصَّلَتْهَا السَّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ على صاحبها أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلام -، فَقَدْ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات/ 10. وهي عِبَارَةٌ تَشِي بِمَا يَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيْمَانِ من اتحاد المشاعر والسحام الأحاسيس، حتَّى يُريد كل منهم لسائر إخوانه ما يُريدُهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ
110