شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٢١

والإسلام جُنَّةً لئلا يُحْكُمَ عليهم بأحكام أهل الشرك والضلال، مع ما كانوا يضمرونه من محاربة الإسلام من الداخل بالدس والوقيعة بين أهله، وتشكيك ضعاف النفوس من المؤمنين في أصول الإيمان ومعتقداته، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة/ 8 - 9، وقولُه: هو إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ]

لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون /]. وقد كانوا مع كتمانهم عقائدهم يبوحون بها بغير تحفظ عندما يَحْلُو بعضهم إلى بعض، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة /114، ولَرُبَّما انْفَلَتَ من ألسنتهم عند وجدان المؤمنين ما يدل على دخائلهم، فلذلك كانوا يُمْعنُون في نفي ما ينسب إليهم من قبل أولئك المؤمنين الذين ينقلون عنهم ما يكون من فلتات ألسنتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى سائر المؤمنين، وذلك بتكرار الأيْمَان أَنهم ما قالوا كلمة الكفر وما كان منهم إلا ما يؤكد رسوخ إيمانهم بالله واليوم الآخر، فلذلك قال تعالى فيهم: ﴿أَتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبيل الله إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون / 2].

وهذا الصنف تجري عليه أحكام الإسلام ظاهراً، كالتوارث بينهم وبين المؤمنين، ودفنهم في مقابرهم والصلاة عليهم إذا ماتوا، وإن كانوا في باطنهم مشركين، وإِنَّما أَعَدَّ هم الجزاء ما يتلاءم مع حالهم، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء /145].

الله

ونفاق عملي: وهو عدم التزام المرء بواجبات الإسلام فعلاً أو تركاً، وهو وإن كان أهون من سابقه إلا أنه أمر عظيم، لما سبق من أن الإيمان والإسلام يقتضيان الوفاء بحقوقهما ظاهراً وباطناً، وهذا الصنف وإن وافق مُعْتَقَدُهُ قَوْلَه إلا أنه مُخَالِفٌ لِمَا يقتضيه الاعتقادُ الْحَقُّ من طاعة رب الوجود والبعد عن معصيته، على أن وصف هؤلاء

112