شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٣أما بَعْدُ: فإنّ دَرْءً ضلال التصور ببيان عين الحقيقة وإبراز معالمها وأعلامها وإيضاح حُجَجها وبراهينها أصلُ الهداية، وضمانٌ لِوُصُول السالكين وبلوغ الراغبين، ومِنْ أَجْلِ هذا قامت دعوات المرسلين على تبيان أهم حقيقة قد تلتبس على الأفهام بضلال التصور، وهي مَنْشَأُ الوجود وغايتُهُ، لِيَعْرِفَ الإِنسانُ مِنْ أين جَاءَ وإلى أين ينتهي، وليعرف ما يجب عليه في رحلته بين مُبتدئه وغايته، وبذلك عَرَفَ الإنسانُ أعْظَمَ حق يجب عليه وهو حقُّ مُبدئه ومُعيده، وحقه أَنْ يُفْرَدَ بالعبادة ولا يُشْرَكَ، غيرُه، مع تنزيهه عن جميع النقائص، لأنَّه لَهُ الكمال المُطلق، وبهذه الدعوة حصلت الصلة بين الإنسان المخلوق الضعيف وخالقه القوي القاهر، كما حصل الرَّبْطُ بين الْمَسِير والمصير، والعَمَلِ والجزاء، والحياة والموت، والفناء والخلود، وذلك هو مَنْشَأ الاستقامة على الخير والوقاية من ضده
معه
ولَئِنْ كانت فنون العلم تَسْتَمِدُّ شَرَفَها من موضوعاتها، فإن أشرف العلوم قدرًا وأعظمها شأنا وأثقلها وزنًا هو هذا العلم الذي يَدْرَأُ شبهات الباطل عن أَقْدَس حقيقة، ويُحلّي براهين الحق الدالة عليها، وناهيك بعلم موضوعه إثبات وجود واجب الوجود لذاته، وصفاته وأفعاله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقضاؤُه وقَدَرُه، لذلك تَبَارَتْ همَمُ الراسخين في العلم في هذا المضمار، فكان منهم الْمُصَلِّي ومنهم الْمُجَلِّي
وقد كان من بين هؤلاء العلامةُ الْمُحَقِّقُ الإِمَامُ نور الدين عَبْد الله بن حُمَيْدِ السالمي - رحمه الله تعالى ورضي عنه -،، فإن مؤلفاته في علم الاعتقاد منثورها ومنظومها ينابيعُ للفوائد الْمُتَدَفْقَة، ومَطَالِعُ لِشَمْسِ الحقائق الساطعة، بما فيها من تبيان للحق وإبراز لأدلته مع دَرْءِ شبه الباطل عنه، وإنْ مِنْ بين ما جادَتْ به قريحته في هذا الْمَحَال قصيدته العَصْماء التي سَمَّاها «غَايَةَ الْمُرَادِ فِي نَظْمِ الاعْتِقَادِ»،
4