شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٣٢ثم إنه سبحانه بين انحصار ولاء الكفار بعضهم لبعض، حيث قال: {وَالَّذِينَ
كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [الأنفال/ 73]، ومعنى ذلك أنه لا يتولاهم إلا من كان مثلهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة/51]، وأتبع ذلك ما يترتب على ترك المؤمنين لهذا الواجب حيث قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال/ 73]. أما البراءة من الأشخاص فدليلها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، إلى أن قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَل فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [الممتحنة / 4 - 6]، ومن المعلوم أن براءة إبراهيم ومن معه إنما كانت من أشخاص بأعيانهم، ومن بينهم أبو إبراهيم، وقد أوجب الله على المؤمنين التأسي بهم، حيث قال أولاً: هو قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، ثم أكد ذلك بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهُ وَالْيَوْمَ الآخر
ومفهوم ذلك أن مَنْ لَمْ تكن له هذه الأسوة فليس هو ممن يرجو الله واليوم الآخر، وزاد ذلك تأكيداً قوله: (وَمَنْ يَنوَل فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، فإن مثل
هذا القول لا يَخْرُجُ إِلا مَخْرَجَ التهديد لِمَنْ أعرض عن الاتباع.
فإن قيل: إن إبراهيمَ وَمَنْ مَعَه تبرأوا من القوم المشركين؛ فلا يقوم من هذا دليل على البراءة من أصحاب الكبائر دون الشرك، كقتل النفس بغير حق والزنا وأكل
الربا وسائر أنواع الظلم والفسوق.
قلنا: إن هذه كبائر تَوَعَدَ الله عليها، وقد جاء في كتابه وفي سنة نبيه ما يدل على استحقاق فاعلها سَخَطَ الله ووعيده، ولا شك أن الإقدام عليها والإصرار على مقارفتها عصيان لأمر الله تعالى وفسوق عن دينه، وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه حبب إلى عباده المؤمنين الإيمان وكرة إليهم الكفر والفُسُوق والعصيان، وذلك قوله: {وَلَكِنَّ
123