شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٣٣الله حبب إلَيْكُمُ الإيْمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّة إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوق والعصيان أولئك
هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات /7]. ومن شأن كراهة الفعل كراهة فاعله.
ويؤكد ذلك ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّا يدل على براءته مِمَّنْ فَعَلَ الكبائر دون الشرك، كقوله: «مَنْ غَشنا فليس منا»، وقوله: «ليس مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجاهلية». ومِثْلُهُ ما جاء على لسانه مِنْ لَعْنِهِ مَنْ أَتَى بعض الكبائر، كلعنه المُتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، كما في حديث ابن عباس عند البخاري، وكقوله: «لَعَنَ الله الربا واكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه»، وقوله: «لَعَنَ اللهُ الْمُحَلَّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ».
فلا ريب في كونه بريئاً من هذه الأعمال وفاعلها، وللمؤمنين فيه أسوة حسنة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهُ
واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب/ 21)
ثُمَّ إِن المصنف – رحمه الله - أشار إلى ولاية الحقيقة وبراءتها بقوله:
42. وَكُلُّ مَنْ عَصَمَ الْمَوْلَى وَلَايَتُهُ فَرْضَ كَعُدْوَانِ مَنْ إِيَّاهُ قَدْ خَذَلَا
ويعني به أن ولاية الحقيقة فريضة على المؤمن لكل من عصمه الله من الهلاك،
سواء كانت هذه العصمة عصمة من الوقوع في الأعمال المهلكة كعصمة الملائكة
الذين قال الله فيهم: و لا يَعْصُونَ اللَّهُ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم /6]، وقال فيهم: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء/27]، وقال فيهم أيضًا: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء / 20].
،
ومِثْلُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، فَقَدْ أَثْنَى الله عليهم في كِتَابِهِ وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُم مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْلَصِينَ، وأَنَّهم مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخيَارِ، مَعَ مَا جَاءَ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ لإِبْلِيسَ - لَعَنَهُ الله -: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ} [الحجر /24]، وهؤلاء هم من أخص عباده، فلا سلطان للشيطان عليهم، وأما ما كان من عتاب الله لبعضهم وذكر
124