شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

وقد وردت به أحاديث كثيرة، حتى إن مُسْلِمًا أَفْرَدَ لَهُ بابا فِي صَحِيحه، وَتَرْحَمَ

له البخارِيُّ بقوله: (كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ)، ومِمَّا جَاءَ فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سَبَابُ الْمُؤْمِنِ فسوق وقتاله كُفْرٌ»، وقوله: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كَفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» وَمَا رَوَاه الربيع - رحمه الله - مِنْ قوله: «مَنْ أَتَى رَجُلاً شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ أَوْ أتى النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ فَقَدْ كَفَرَ»، وقوله: «لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ والكُفْرِ إِلا تَرْكُهُ الصَّلاةَ» وفي رواية غير الربيع: «بين الرَّجُلِ والكفر». وحديثُ بُرَيْدَةً عند الجماعة إلا البخاري: «العَهْدُ الذي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»

ويختلف هذا الكفر عن سابقه بأنَّهُ لا يُخْرِجُ صاحبَه من مِلَّةِ الإسلام، بلْ يُعَامَلُ في الحياة الدنيا معاملة المسلمين إلا في الولاية؛ فإنَّها اصطفاء لا يكون إلا لِمَنْ ثَبَتَ

الله

صلاحه وتقواه. وقد أثبته أصحابنا – رحمهم باتفاق، وقال به كثير من أهل الحديث وجماعة من الْمُحَقِّقِينَ، وأَنْكَرَهُ أكثر أهل العلم مِنْ غَيْرِنَا، وقد حَارُوا فِي فَهم هذه النصوص وما تُحْمَلَ عليه، فمنهم من قال: إن المراد بها المُبالغة، وأن هذه الأعمال هي: في الأصل أعمالُ الكَفَرة، ومنهم مَنْ حَمَلَها على من أَنَّى بِمَا ذُكرَ مُسْتَحلاً، وذَهَبَتْ طائفة كالحنابلة إلى أن تارك الصلاة مِنْ بَيْنِ هؤلاء كُفْرُهُ كُفْرُ مِلَّةٍ، ومعناه أَنه يُعَامَلُ

معاملة المشركين في الحياة الدنيا.

وهذا كله فرار من الواضح إلى المشكل، فإن الدلائل قائمة على أن المراد بالكفر فيما ذُكِرَ كُفْرُ النِّعْمَة، فإن الإنسانَ خُلِقَ لعبادة الله تعالى، والعبادة هي مُنتَهَى الخضوع والتواضع والانقياد، وخُلقَ لَهُ ما في الأرض جَمِيعًا، وسُخَّرَ لَهُ ما في الوجود، ليكون ذلك كله عونا على القيام بحقوق العبادة والطاعة، فإِنْ هو شَذْ فَسَخَّرَ شَيئًا من طاقاته أو شيئًا من هذه الهبات الأخرى للاستعانة به على معصية الله تعالى كانَ ذلك جَحْدًا معنويًّا لِمَا أَنْعَمَ الله عليه من تِلْكُمُ النعمة التي الحرف بِهَا عن سواء السبيل، وهو عَيْنُ

135