شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

أشدُّ الناس جهلاً؛ وإن كان ذلك عائداً إلى العناد، فإن آيات الله تعالى الدالة على وجوده ووحدانيته وسائر صفاته هي من أبين البينات وأظهر البراهين، فالإنسان يتلوها على صفحات وجوده بنفسه، إذ ما من خلية من خلاياه إلا وهي شاهدُ عَدل على

وجود الله وعلى وحدانيته واتصافه بالكمالات، فضلا عن أصوات سائر الكائنات التي تنادي كل ذرة من ذراتها بلسان حالها مُعْلنَةً افتقارها إليه وأَنَّهَا لَمْ تَوجَدْ إِلا بِإِيْجَادِ

الله

فمَنْ تَعامَتْ بصيرته عن هذه الدلائل وتَصَامَمَ سَمْعُهُ عن هذه الشهادات كان

أَعْرَقَ النَّاسِ في الجهل وأَضَلَّهُمْ عن الحقيقة، وكذلك مَنْ جَحَدَ رسالاته سبحانه إلى من اصطفاهم مِنْ خَلْقِهِ لِحَمْلِ أمانته إلى عباده، لا سيما خاتَمُ الْمُرسَلين وقائدُ الغُر الْمُحَجَّلين، فَمَنْ كَفَرَ به هو أعمى الناس بصيرةً؛ لظهور برهانه وقهر معجزته

و انكشاف صدقه، فلم يَبْقَ أَمَامَ مَنْ جَحَدَ رسالته إلا العناد والمكابرة ثانيها: الْحَميَّة؛ وهي العصبية الباطلة، فإنها تعمي بصيرة صاحبها حتى يَجْعَلَ الباطل حقا والْحَقَّ باطلاً، و، وهي من شأن أهل الجاهلية؛ قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّة﴾ [الفتح /26].

وإنما كانت من قواعد الكفر لأنَّها تَحُولُ بين من اسْتَحْكَمَتْ في نفسه وبين

من

اتباع الْحَقِّ، فقد يَرَى الْحَقَّ بأم عينيه ولا يَصُدُّهُ عنه إلا هذه الْحَمِيَّة، كما كان فرعون وآله الذين أراهم الله من آياته ما جعلهم موقنين بصدق موسى عليه السلام، ولكنَّهم أَخْلَدُوا إلى عنادهم، كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوا﴾ [النمل / 14]، وكذلك شأن أولئك الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزحرف /23]، فَإِن حَمِيَّتَهُمْ لآبائهم صَدَّتْهُمْ عن الخروج عَمَّا أَلفُوه منهم وإن من شأن الحمية أنْ تَدْعُوَ كلّ طائفة بأنْ تَلْتَفَّ حول نفسها وتدخل في

حرب مع غيرها؛ ولو أَيْقَنَ أفرادها أَنَّها ظَالِمَةٌ وأَنَّ الحق في جانب غيرها، مع أَنَّ مُجَرَّدَ

140