شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٥٤أركان الكفر
57 وَرَغْبَةٌ رَهْبَةٌ، أركانه، ويلي * هَا شَهْوَةٌ غَضَبٌ فِي كُلِّ مَا حُظِلا أَرْكَانُهُ
يعني أن أركان الكفر التي يُشَادُ بِهَا بِنَاؤُهُ هي هذه الأربعة: الرَّغْبَةُ والرَّهبةُ
والشَّهْوَةُ والغَضَبُ.
فالرَّغْبَةُ: هي الْمَيْلُ الزَّائِدُ إلى الدنيا حتى يمتنع صاحبه مِنْ أداء ما عليه من الحق، ويَحْرِص على أخذ حق غيره، وهذا هو حُبُّ الدنيا الذي يُعمي بصيرة صاحبه فلا يُبالي بِمَا يَتَرَتَّب عليه من حَسَارٍ في الدار الآخرة، وهو المراد بنحو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْحَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود/ 15 - 16]، وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نصيب﴾ [الشورى /20]، وقوله: ومَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَدْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء /18]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات /37 - 39]. وإنما كانت الرغبة من أركان الكفر لأنها إذا استحكمت في النفس استولت على العقل، وهيمنت على الأحاسيس والمشاعر، فَتَصُدُّ صاحبَها عن اتَّبَاعِ الْحَقِّ، وتحولُ بينه وبين الواجب، فكم من خبير بأن الإسلام حقٌّ - مِنْ أَهْلِ الكتاب أو غيرِهِمْ - أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ عن براهينه، وأصَمَّ أُذُنَيْهِ عن حُجَحِهِ، حَشْيَةً أن يفوته ما يَسْتَمْتِعُ به في حياته الدنيا من مال يأتيه مِنْ قِبَلِ الذين غَرَّرَهُمْ بِضَلاله، أو جاه ومرتبة عند عظيم عظماء الكفر، وقد تَصُدُّ هذه الرَّغْبَةُ صاحبها عن قول الحق، فيُخفي شهادةً تَحَمَّلَها أو يَشْهَدُ زُورًا بخلاف ما عَلِمَ.
من
وأمَّا الرَّهْبَةُ: فهي الخوف الْمُفْرِطُ الذي يَصْرِفُ صاحبه عن الواجب، كأن
يَخْشَى أَحَدًا من المخلوقين، فيمتنع عن اتباع الحق لأجله، ومنها خشية الفقر المانعة
145