شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

ذكر الملل الست وأحكامها:

58 وَهَذه ملَلُ الأَدْيَان قَدْ نُصِبَتْ لا بُدَّ لِلْمَرْءِ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ الْمَلَلا

الْمِلَلُ جَمْعُ مِلَّةٍ بِمَعْنَى الدِّين، وهي في الأَصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَمَلٌ بِمُعَنِّى أَمْلَى،

قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة /282]، وأصلُها في الْمِلَّةِ الشرعية، وهي التي أملها الْمَلَكُ على الرسول، وأَمَلها الرسولُ على الأمة، ولكنها أُطلقت على سائر النحل، سواء ما كان لَهُ أصل فيما أوحاه الله تعالى أو لا

وملل الناس بحسب الأحكام الشرعية في أصحابها تنقسم إلى ست؛ وهي: الإسلام واليهودية والنصرانية والصابئة والْمَجُوسِيَّة وعبادة الأصنام، ويندرج في هذه الأخيرة جميع أنواع الشرك، فيدخل في حكمها الْمَلاحِدَةُ كالشيوعيين والوُجُودِيِّين، وسائر الذين لا يدينون بدين. ووجوب معرفة هذه الملل من أجل الفرز بين أتباعها في الأحكام، وهو الذي دَرَج عليه كثيرٌ من أصحابنا، وذَهَبَ الإمامان أبو يعقوب الوارجلاني وأبو إسحاق، اطفيش إلى أن معرفتها ليست من ضروريات الدين، وهي داخِلَةٌ فيما يَسَعُ جَهْلُهُ من الأحكام الشرعية والمُعتقدات الدينية، وهذا القول مِنَ الْحَجَّةِ بِمَكانِ، إِذْ لَمْ يُؤْتَرْ قَطُّ عن النبي الله عندما كان يدعو إلى الإسلام أنه يُلفّنُ الناسَ معرفة هذه الْمِلَلِ، وَيَشْرَحُ لَهُمْ أحكامها، ولا أثر ذلك عن أحد من صحابته – رضي الله تعالى عنهم -. وما مِنْ رَيْب أن إلزام ذلك جَمِيعَ الناسِ ذُكورَهُمْ وَإِناثَهُمْ صِغَارَهُمْ وَكِبارَهُمْ بَدْوَهُمْ وَحَضَرَهُمْ فِيهِ حَرَجٌ كبيرٌ على عَوَامُ الناس وجَهَلَتِهِمْ، فَمَا لِلْعَامِّيِّ الذي لا يَعْنِيه إلا أمر نفسه وبَحْث أحكام هذه الْمَلَلِ؟ فإن التعبد بأحكامها لا يعني عوام المسلمين، وإنما هو من خصائص خاصَّتِهِمْ، فكيف يُلْزَمُ أَنْ يَعْرِفَ هذه الْمِلَلَ وأَنْ يَفْرِزَ بين أحكامها جميعًا؟!

150