شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٦٠فإن قيل: بأن هذه الْمَلَلَ مَنْصُوصٌ عليها في القرآن؛ وذلك أن الله تعالى قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ
يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج /17]، فَمِنَ الضرورة أَنْ يَعْرِفَهَا الإِنسانُ المسلم. قلنا: ليس كلُّ منصوص عليه في القرآن ممَّا لا يسع جهله، وإلا وَجَبَ على كل مسلم منذ بلوغه الحلم أو دخوله الإسلام أنْ يُلِمَّ بِكُلِّ أحكام القرآن، ويُحْصِيَ كل ما جاء فيه، وهو مِنَ العُسْرِ بِمَكان، على أن كثيرًا من المُسلمين لا يُتقنون قراءة القرآن رأسًا، وَهَبْ أَنَّهُمْ يَتْلُونَه؛ فإنّ القليل ممَّنْ يتلونه هم الذين يُدركون معانيه، كَيْفَ وفيهِمُ العَرَبِيُّ والأَعْجَمِيُّ؟ وأَنَّى لِلأعجمي أنْ يُكَلَّفَ فَهُمَ مَضَامِينِ الكلام العربي مع عدم إتقانه لغة العرب؟! والعرب أنفسهم ليس بإمكانهم إدراك مقاصد القرآن إلا بعد دراسة فنون العربية ودراسة علوم القرآن
هذا فإنَّ تِلْكُمُ الْمَلَلَ عندما ذكرَتْ في الآية المشار إليها لَمْ يَقْتَرِنْ ذِكْرُها ومع بتبيان أحكامها، وإنما جاءت متناثرة في آيات متعددة وسُورٍ مُختلفة، مع أن هذه الأحكام نفسها وقع في بعضها خلاف بين أهل العلم بِحَسَبِ ما فَهمه كل فريق من
ظواهر الأدلة.
وبالجملة فإن معرفة هذه الملل وأحكامها ممَّا يَحِبُّ على الإنسان بعد أن تقوم بذلك الحجَّةُ ويَتَّضِحَ لَهُ الْمَقصَدُ ويَتَيَسَّرَ لَهُ الفهم، وإلا فهي كسائر الأحكام الشرعية والعقائد الدينية التي يكفي الإيْمَانُ بِهَا إجمالاً؛ ما لَمْ تَقُم عليه الحجة بتفصيلها، وما لَمْ يَقَعُ فِي مُخَالَفَةِ الْمَشْروع بالإقدام على ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الحَقُّ، كما جاءَ الأَثر في أنواع الْمَحَارِمِ: «يَسَعُ الناسَ جَهْلُ ما دَانُوا بِتَحْرِيمِهِ؛ مَا لَمْ يَرْكَبُوهُ أو يُصَوِّبُوا رَاكِبَه أو يَتبرأوا مِنْ عالم تَبرَّأ من راكبه أو يَقِفُوا عنه»
على أنَّ العَمَلَ بشيءٍ فيما يتعلق بِهَذِهِ الْمِلَلِ لَا يَعني العوام، وإِنَّما هو مِنْ شَأْنِ خاصة الخاصة - كما ذكرنا -، لأنَّ الإقدَامَ على أمرٍ يتعلق بأصحابها إنَّما هو شأن أئمة
المسلمين
V