شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

زرادشت الذي يَنْتَسِبُونَ إليه كان نَبِيًّا رسولاً، ويستدلُّ لذلك بما في كتابهم الذي بأيديهم مِنْ بَشَائِرِ بِعْثَةِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ مُؤكّدًا أن ذلك لا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا إلى عِلْمِهِ إلا بِطَرِيقِ الوَحْيِ، وأَرَى في القَطْعِ بذلك مُجَازَفَةٌ؛ لِعَدَمِ وُجودِ ما يُشيرُ في القرآن الكريم

إلى نبوة زرادشت، وعَدَمِ وُرُودِ ذلك عن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام واحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ بَشَائِرُ بِعْتَةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَصَلَتْهُمْ بِاخْتِلاطِهِمْ بِمَنْ أُوتِيَ عِلْمَ

الكتاب.

هذا؛ وَالحَكْمُ الذي ذَكَرَهُ هُنَا لِهَذِهِ الْمِلَلِ الْأَرْبَعِ - وَهُوَ أَنَّهُم يُسَالَمُونَ إِذَا أَدَّوا الجُزْيَةَ عَنْ صَغَارٍ - إِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ في أهل الكتابينِ بِالنَّصَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَلا بِالْيَوْمِ الآخر وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة/ 29]. إِذْ جَعَلَ الغَايَةَ مِنْ مُقَاتَلَتِهِمْ رُضُوحَهُمْ لأَن يُعْطُوا الجزيَةَ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ

،

يُعْرَضَ عليهم الإسلامُ وَيَرْقُضُوهُ، فَإِنْ قَبلُوهُ كانوا إِخْوَانَنَا، لَهُمْ مَا لَنَا وَعَليهِم مَا عَلَيْنَا وأَمَّا الصَّابِدُونَ فَإِنْ إِجْرَاء هَذَا الحكم عَلَيْهِمْ لِقَرْنِهِمْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَكْثَرَ مِنْ موضع في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة/62]. عَلَى أَنْ اقْتِرَانَهُمْ بِهِمْ فِي مَقَامِ التَّبْشِيرِ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَعَمِلَ صَالِحًا يُوحي بأَنَّهُمْ كانوا أَهْلَ كتاب كَمَا قِيلَ.

وَأَمَّا الْمَحُوسُ فَإِلْحَاقُهُمْ بِأَهْل الكتاب لما دَل عَلَى ذَلكَ منَ السُّنَّة. والجزيةُ التي يُعْطُونَهَا هِي ضَرِيبَةً مَالِيَّةٌ يَأْخُذُها منهم إمامُ الْمُسْلِمِينَ، لِيَتَمَتَّعُوا بالأمن والاسْتِقْرَارِ في كَنَفِ دَولَةِ الإِسْلامِ، فلا يُنَالُونَ بِأَدَيِّ فِي انْفُسِهِمْ وَلَا فِي أَهْلِيهِمْ وَلَا في ذَرَارِيهِمْ ولا في أَمْوَالِهِمْ، ويَنْعَمُونَ بِحُقُوقِ الْمُوَاطَنَةِ العَامَّةِ، ويُعْطَوْنَ بِذَلِكَ دَمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةً رَسُولِهِ في هَذهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَتَرَتَّب على ذَلِكَ حِلُّ أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحَ الْحَرَائِرِ مِنْ نِسَائِهِمْ بلا خلاف، أَمَّا فِي حَالٍ حَرْبِهِمْ فَلا تَحِلُّ عَلَى الْمَشْهُورِ نِسَاؤُهُمْ، لأَنَّ

107