شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٦٧وكُلُّ أصْحَابِ الدِّيانات التي لا صِلَةَ لَهَا بِوَحْيِ السَّمَاءِ، فَإِنَّ هؤلاءِ جَمِيعًا لا سَلَامَةَ لَهُمْ مِنْ حُكْمِ السَّيْفِ إِلَّا أَنْ يُفْلِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالصَّلالِ، وَيَدِينُوا دِينَ الحَقِّ، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة/ه].
ولا تُؤْخَذُ مِنْ هولاء حِزْيَّةٌ، ولا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ ولا ذَبَائِحُهُمْ بِحَالٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله) [الأنفال /39)، ولا يَحُورُ أيضًا إِنَّكَاحُهُمْ مُسْلِمَةٌ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأُمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة /221]، ولقوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلْ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [المتحدة 10، ويَدْخُلُ في هذا أهْلُ الكِتَابِ، فَلا يَحُورُ إِنْكَاحُهُمُ الْمُسْلِمَاتِ إِجْمَاعًا، وَلَوْ جَازَ نِكَاحُ الْحَرَائِرِ مِنْ نِسَائِهِمْ
فإن قيل: مِنْ أيْنَ جَاءَتْ هذه التَّفْرِفَةُ؛ بِحَيْثُ جَازَ نِكَاحُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَجُزْ إِنْكَاحُهُمُ الْمُسْلِمَاتِ؟ فَإن اعتبرُوا دَاخلينَ فِي الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ كالنَّهْي عَنْ إِنْكَاحِ الْمُشْرِكِينَ سَوَاء، وَإِنِ اعْتَبِرُوا غَيْرَ داخلين فيهم فلا دَلِيلَ على مَنْعِ إِنْكَاحِهِمْ، أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ فَإِنَّما هو في مُشْرِكِي العَرَبِ، لأن الآيَةَ نَزَلَتْ فيما يَتَعَلَّقُ بِصُلْحِ الحديبية الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ مشركي مكة؟ أَبْرَمَهُ النَّبِيُّ
قُلْنَا: هُمْ دَاخِلُونَ فِي حُكْمِ الْمُشْرِكِينَ، لأنَّ وَصْف الشِّرْكِ يَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مَنِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَهُمْ كَذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ تَحْرِيرُ هَذَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ نِسَاؤُهُمْ مِنْ عُمُومِ حُكْم: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ مِنْ أَجْلِ تَخصيصه بِقَوْلِهِ تَعَالَى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة/ه). والخصوص يَقْضِي على العُمُومِ، سَوَاء تَقَدَّمَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، كَيْفَ وَهُوَ مُتَأَخَّرُ عَنْهُ؛ لأنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخر القُرْآنِ نُزُولاً؟ فَلِذَلِكَ الْعَقَدَ الإِجْمَاعُ على حِلِّيَّةِ نِسَاءِ
10 A