شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٦٨أهْلِ الكِتابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، على أَنْ هَذِهِ الْحِلَّيَّةَ مُقَيَّدَةٌ عِنْدَنَا وعِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِكَوْنِ الكتابِيَّة دَمِّيَّةً غَيْرَ مُحَارِبَةِ، أمَّا إِنْ لَمْ تَكُن كذلك فلا يَحِلُّ نَكَاحُها كما تَقَدَّمَ. ومَشرُوعِيَّةُ الزَّوَاجِ بالكتابِيَّاتِ عِنْدَمَا يَكُنَّ عَلَى الذَّمَّةِ - فيها حِكْمَةٌ بِالغَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَحْصُلَ التَّدَاحُلُ بين الْمُسْلِمِينَ وأهْلِ الكتاب، ويَجِدُوا فِي مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ وأخلاقِهِمْ ما يَدْعُوهُمْ إِلَى اتَّبَاعِ دِينِهِمْ، وَتِلْكَ هي وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الدَّعْوَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فإِنَّهُ عِنْدَمَا حَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لانْدِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الكتابِيَّاتِ وَتَضَرُّرِ الْمُسْلِمَات بَقَائِهِنَّ أَيَامَى نَهَى عَنْهُ، لا سيما أكَابِرَ الصَّحَابَةِ، كَفَصَّته مع حُذَيْفَةَ الله. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أنَّ هذا الْمَطْلَبَ لَا يَتَحَقَّقُ عِندما يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ ضُعَفَاءً وَيَكُونُ الكتابيُّونَ أَقْوَى، فَفِي هَذِهِ الحَالَةِ بَدَلاً مِنْ أنْ يَكُونَ الزَّوَاجُ مِنْهُمْ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلامِ يُصْبِحُ الأَمْرُ في مُنتَهَى الخَطَرِ على الدِّينِ، بِحَيْثُ لا يَبْعُدُ أَنْ تَسْتَوْلِيَ الكتابية على أولادِ الْمُسْلِمِ مِنْهَا، فَنَهُم على ملتها كما تُرِيدُ، وَقَدْ وَقَعَ ذلك فعلاً، إِذِ الْحَرَفَ بِهَذَا عَدَدٌ مِنْ أَوْلادِ الْمُسْلِمِينَ فَاعْتَقُوا النَّصْرَانِيَّةَ، وَقَدْ حَدَثَ هَذَا لِكَثِيرِ مِنْ أَوْلادِ العُمَانِيِّينَ مِمَّنْ نَعْرِفُ آبَاءَهُمْ، بَلْ وَقَعَ أَحَدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِمَصِيرِ أَفْلَاذِ أكْبَادِهِمْ في غَرَامٍ يَهُودِيَّة بريطانية عِنْدَمَا كان يَدْرُسُ فِي دَارِ الغُرْبَةِ، فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ مَوْلُودًا نَشَأَته على اليَهُودِيَّة، وانْتَزَعَتْهُ مِنْ يَد أبيه فَالْحَقِّتْهُ بالكيان الصهيوني، فَأَصْبَحَ يَهُودِي الْمُعْتَقَد صهيوني النزْعَةِ والجِنْسِيَّةِ، أَوَلا يَكْفِي هَذَا عِبْرَةً لِعُبَّادِ الشَّهَوَاتِ الَّذِينَ لا يبالون بمستقبل أفلاد اكبادهم وثَمَرَة أقدتهم 12 و إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ أَكْبَادِهِمْ أَفْئِدَتِهِمْ؟!
لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق/37].
هَذَا، وَلَئِنْ كان عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) البقرة 221] مُخصصًا بِحَوَازِ نِكَاحِ الكِتَابِيَّاتِ مَعَ مُرَاعَاةِ القُيُودِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ فَإِنْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة/ 221] بَاقٍ على عُمُومِهِ، فَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةِ الاقْتِرَانُ بِأَيِّ مُشْرِك كَانَ، سَوَاء وَتَنِيًّا أَوْ كِتَابِيًّا، مَعَ اعْتِصَادِهِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار لا هُنَّ حَلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحلُّونَ لَهُنَّ)
159