شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٧٠

حاشا قُرَيْنا فَإِنَّ السَّنِيَ مُمْتَبع فِيهِمْ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِب الفُضَلا

وَقِيلَ بِعَدَمِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدٍ، لأنَّ عِلَّةَ ذلك هِيَ الإِشْرَاكُ، وَهُمْ جَمِيعًا مُشْتَرِكُونَ فيه، مع أنه - عليه الصلاة والسلام - قال يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ لِقُرَيْشٍ: «اذْهَبُوا فَأَنتُمُ الطَّلَقَاء»، وهو وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصَا في اعْتِبَارِهِمْ سَبَايَا قَبْلَ أَنْ يُنْعِم عليهم

منه

-

- صلوات الله وسلامه عليه – بِمَا أَنْعَمَ به عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِطْلَاقِ؛ فَإِنَّهُ يَسُوعُ أَنْ يُسْتَنْتَجَ، هَذَا الْحُكْمُ لِمَنْ رَأَى ذلك، إذ الإِطْلاقُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ قَبْضٍ، وقد سَبَى صلى الله عليه وسلم قَوْما مِنَ العَرَبِ كما وَقَعَ ذلك في هوازن وبَنِي الْمُصطلق. وما وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: «لا رِق على غربي بَعْدَ اليَوْمِ» لَمْ أَحدٌ لَهُ سَنَدًا، وَلَوْ ثبت ذلك لَمَا وَقَعَ خلافٌ في مَضْمُونِهِ عَلَى أَنَّ السَّبْيَ إِنَّمَا هُوَ إِجْرَاءٌ عَسْكَرِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَليهِ الاسْتِرْقَاقُ وإنما كان ما كان من اتَّبَاعِ هذا الإِجْرَاءِ لأَحْلِ ضَرُورَةِ الْمُعَامَلَةِ بِالْمِثْلِ، لِئَلا يُكَالَ الشَّرُّ لأمة الإسْلامِ وَهِيَ مَكْتُوفَةُ الأَيْدِي عَنِ الرَّدْ بِمِثْلِهِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَسْبَابِ لَاهْتِدَاءِ السَّبَايَا إِلَى الإِسْلامِ وإِنْقَادِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وَضَلالِهِ، وَإِلا فَإِنْ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الإِسْلامِ وَالأُمَّةِ في عَدَمِ الاسْتِرْقَاقِ فَإِنَّ ذلك هُوَ الذي يُؤْخَذُ بِه ومِمَّا يَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَنْحَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [عبد/]، إِذْ لَمْ يَذْكُرْ سُبحانه وتعالى هُنَا إِلَّا طَرِيقَيْنِ فِي مُعَامَلَةِ الأَسْرَى، وَهُمَا: الْمَنُ عليهم بِإِطْلَاقِ سَرَاحِهِمْ وَمُفَادَاةُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ، إذ الأَصْلُ في الإِنسانِ الْحُرِّيةُ، والرِّقُ عَارِضَ لَهُ.

علوم اسلامي

ولِذَلِكَ ابْطَلَ الإسلام جميعَ وَسَائِلِه إِلا هَذِهِ الوَسيلَةَ الوَاحِدَةَ الَّتِي اقْتَضَتْهَا ضَرُورَةُ التَّعامُل بِالْمَثْلِ، لئلا يَقِفَ الْمُسْلِمُونَ مَوْقِفَ الذُّلِّ والضَّعْفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ، ومع قِيَامِ الْمُعَاهَدَاتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ عَلى عَدَمِ اسْتِرْفَاقِ أَسْرَى الْحَرْبِ وَالْتِرَامِ ذلكَ مِنْ قِبَلِ الغَيْرِ لا تَبْقَى ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ تَقْدِيمُ الْمَنِّ عَلَى الفِدَاءِ فِي الآيةِ الكَرِيمَةِ إِلَّا دَلِيلاً على سَمَاحَةِ الإِسْلامِ وعَظَمَته واعتداله ورفقه، وذلك بخلاف ما يُرَوِّجُهُ خُصُومُهُ

ويُحاوِلُونَ الْصَاقَهُ به ممَّا هُوَ مِنْهُ بَرَاء. بِهِ

161