شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٧٨مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين يَتَّقُونَ الله ويُطِيعُونَهُ ويأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ تِلْكَ هي أسبابُ مُوَالاةِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة 71].
ثُمَّ إِنَّه سُبْحَانَه أَمَرَ مع الاختلافِ أَنْ يَكُونَ الاحْتِكَامُ إِلَيْهِ وإلى رَسُولِهِ – عليه
-
أفضل الصلاة والسلام -، حيثُ عَطَفَ سبحانه على مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ طَاعَته وطاعَة رَسُوله وأُولِي الأمْرِ مِن الْمُؤْمِنِينَ قولَهُ: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء/ 59].
وبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أنْ وُجُوبَ هذه الطَّاعَةِ مُقَيَّدٌ بِطَاعَته تعالى وطَاعَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، أمَّا
مَنْ خَرَجَ عَن حُدُودِ طَاعَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلى مَعْصِيَتِهِ فَلا طَاعَةَ لَهُ، ولذلكَ قَال أَبو بَكْر إنِّي وليكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَأَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيكُمْ، وَإِذَا عَصَيْتُهُ وَلَّيْتُكُمْ فَلا طَاعَةً لِي عَلَيْكُمْ. وبما أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْقَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ عُرْضَةٌ لِلْخَطَا وَالزَّلَلِ كَانَ الحكم فيه إن واقعَ مَعْصِيَةً - وَلَوْ صغيرة - أن يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ أَقرَّ، وَإِنْ أَصَرَّ
وَجَبَ على أهْلِ الحَلّ والعَقْدِ عَزّلُهُ وتقديمُ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَرَوْنَ فِيهِ الرُّشْدَ والصَّلاحَ. أما إن كانت مَعْصِيَتُهُ تُوجب عليه حَدًّا شَرْعيًّا - كالزنا والسَّرِقَةِ وقَذف الْمُحْصَنَاتِ وشُرْب الخَمْرِ - فإنّ إِمَامَتَهُ تَزُولُ بذلك، ويُحِبُّ على جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ في هذه الحالَةِ أَنْ يَخْتَارُوا لأَمْرِهِمْ مَنْ تَوَافَرُ فيه شُرُوطُ الإِمَامَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ وَالفَضْلِ، ويَقُومُ عِنْدَئذٍ بِإِنْفَاذ الحكم الشَّرْعِيِّ في الإمَامِ الأَوَّلِ.
ومن عجائب الأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلى أَنَّهُ إِنْ تَابَ يَبْقَى فِي إِمَامَتِهِ، وإِنَّما يُختارُ مِنْ بَيْنِ المسلمينَ إِمَامٌ مَوْقُوتٌ بِقَدَرِ مَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الحَدَّ الشَّرْعِيُّ. وَلَعَمْرُ الحَقِّ مَا هُوَ إلا قصر نَظَرِ مِنْ قَائِلهِ، فَمَاذَا عَسَى أَن تَكُونَ مَكَانَةُ الْمَحْدُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ والتَّوْقِيرُ؟ وَلَوْ رَجَعَتْ إِليهِ الوَلايَةُ بِتَوْبَتِهِ وَصَلَحَتْ أَحْوَالُهُ فَإِنَّه يَبْقَى عُرْضَةً
179