شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٨٠واحدٌ، والرَّسُولُ واحدٌ، والإمَامُ واحدٌ». فَاسْتَقَرَّ إِجْمَاعُ الكُلِّ على ذلك، مَعَ مَا جَاءَ
مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذا بُويعَ لِرَجُلَيْنِ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الثَّانِي منهما»
هذا كُلَّهُ إِنْ كان نُفُوذُ دَوْلَةِ المُسلِمِينَ مُمْتَدًّا فِي الْأَرْضِ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ جانب مِنْ مَكَانِ نُفُوذِهِم وجانب آخَرَ عَدُوٌّ مُتَرَبِّص، لأن الاجتماع في هذه الحالة مُمْكِن، فلا وجة للعدول عنه إلى التَّشَتُتِ والافتراق.
أما إنْ كانَ نُفُوذُ المسلمينَ في جَهَتَيْنِ مُتَنَانِيَتَيْنِ، بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ أَنْ تَتَوَحَّدَ مرجعيتهم الدينية والسياسيَّةُ لِوُجُودِ ما يَصُدُّ نُفُوذَ الإِمَامِ إِنْ كَانَ فِي جَهَةٍ إلى الجهَةِ الأخْرَى؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَحْتَمِعَ أَهْلُ كُلِّ حِهَةٍ عَلَى إِمَامٍ لَهُمْ وَحْدَهُمْ، كَمَا حَصَلَ ذلك في القَرْنَيْنِ الثاني والثالث الهِجْرِيَّيْنِ في أهلِ دَعْوَةِ الحَقِّ والاستقامة، حيثُ بُويعَ لأَئِمَّة بالْمَشْرِقِ وأَئِمَّةِ بِالْمَغْرِبِ، لِتَعَذَّرِ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ الْمَشْرِقِيُّ بِرِعَايَةِ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ منهم الذينَ هُمْ بِالْمَعْرِبِ، وكذا العَكْسُ، وَلَمْ يَكُنْ نَكَيْرٌ لِهَذَا الأَمْرِ
ر علوم
وعندما يَزُولُ الْحَاجِرُ بَيْنَ الدَّوْلَتَيْنِ حَيْثُ يَتَوَاصَلُ فَتْحُهُمَا إِلى أَنْ تَصِلَ حُدُودُ دَولَةِ كُلِّ إِمَامٍ إلى حُدُودِ دَوْلَةِ الإِمَامِ الآخر؛ فَهُنَا يَحِبُّ أَنْ يُرَدَّ الأَمْرُ إِلى جَمَاعَةِ المسلمينَ مِنَ الجَهَتَيْنِ مَعًا، وهي التي تَحْتارُ مِنَ الإمامين مَنْ كَانَ أَكْفَأُ لِهَذَا الْمَنْصِب بعلمه ودينه وسياسته وإقْدَامِهِ، وتَفَانِيهِ في هذا الأمْرِ، وتَرَفْعِهِ عن مَطَامِعِ الدنيا، ورَغْبَتِهِ فِي أَنْ يَقُومَ بِهَذا الأَمْرِ غَيْرُهُ وأنْ يُعْدَرَ هُوَ مِنْهُ، فَإِذَا وَقَعَ عليه الاختيار جُدِّدَتْ لَهُ البَيْعَةُ، لأَن بَيْعَةَ كُل واحد منهما تسقط بما طرأ من تلاقي حدود دولتيهما.
70. وَبَعْدَ مَا فُتِحَتْ أُمُّ القُرَى نُسخا مَا كَانَ مِنْ هِجْرَة مَفْرُوضُها الصلا
يعني أن فتح أُم القرى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كَانَ سَبَبًا لِنَسْحَ مَا كَان يَجِبُ مِنْ هجرة المسلمين إلى دارِ الهِجْرَةِ التي هاجَرَ إليها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ وهي طَيْبَةُ الْمُبَارَكَةُ
- طَيَّبَ اللَّهُ تَرَاهَا -.
171