شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٨١

فقد كانت الهجرة إليها مطلبًا دِينيًّا لا يَسَعُ المُسْلِمَ تَرْكُهُ فِي حَالَةِ الإِمْكَانِ

حتى أن مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَسْتَحِنَّ وَلايَةَ المؤمنينَ لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال/72]، وما ذلك إلا لِمَا أرَادَهُ الله تعالى من اجتماع أُمَّةِ الإسلام في صَدْرِ تاريخها عندما تَمَخَّضَت الأَحْدَاثُ فَتَمَّ ميلادها، لِيَكُونَ في هذا الاجتماعِ الْتِفَافُ مِنْ بَعْضِهَا حَوْلَ بَعْضٍ، للتعاوُنِ على البِرِّ والتقوى، وليتربى أفرادها في كنف دولة الإسلام الناشِئَةِ على التَّضْحِيَةِ والبَدْلِ والزُّهْدِ فِي الدنيا والرَّغْبَة فيما عندَ الله.

ولا رَيْبَ أنّ في ذلك امتحانًا للمُهَاجِرِينَ واختبارًا لصحة إيمانهم، فَإِنَّ هِجْرَتَهُمْ إِنَّما كانتْ مِنْ دِيَارِ أَلْقُوهَا، وأَمْوَالِ اقْتَنَوْهَا، وَمَسَاكِنَ ارْتَضَوْهَا، مُتَجَرِّدِينَ من علائق الدنيا، وذلك أَمْرٌ لا يُوَطِّنُ عليهِ نَفْسَهُ إِلَّا مَنْ كَان رَاسِحَ الإِيمَانِ مَاضِيَ العزيمة، لا يَرَى الدنيا شيئًا بجانب دينه

فَلِذَلِكَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تعالى بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ اختر اه، ووَعْدَهُمُ الحسنى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا في الله من بعد ما ظُلِمُوا لَبوكتهم في الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل /41]، وقوله: {وَمَنْ يخرج من بينه مهاجراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُ)

[النساء / 100].

وَمَا كانتْ هَذهِ الهِجْرَةُ إلى الْمُجْتَمَعِ الإِسْلامِيِّ النَّظِيفِ النَّاشِي إِلا رَمزًا لِهِجْرَةِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، وَتَوْلِيَةِ الوَجْهِ نَحْوَ مَرْضَاتِهِ، مَعَ أَنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الأُخْرَى كانت عَفِنَةٌ بِنَتْنِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، فَلَمْ تَكُنْ بِينَهَا صَالِحةً لاسْتِقْرَارِ الْمُؤْمِنِ بِهَا، لِذَلِكَ كُلَّه شُرِعَت الهِجْرَةُ وَكَانَتْ لِزَامًا. وبَعْدَ مَا فُتِحَتْ أُمُّ القُرَى أي مَكَّة الْمُكَرَّمَة - حَرَسَهَا الله - نُسخ وُجُوبُ

-

الهجرة، كما جاء في الحديث: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ..

172