شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٨٢وذلك لأن فَتْحَ مَكَّةَ كان إِيذانًا بِفَتْحِ الْحَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ بِأَسْرِهَا وَاسْتَقْرَارِ الإسلام بِهَا، فَلَمْ يَكُنْ دَاعٍ بعد ذلك إلى إلزام هذه الْجَمَاهِيرِ الْمُؤْمِنَةِ أَنْ تُهَاجِرَ مِنْ دِيَارِهَا وَتَسْتَقرَّ في مِسَاحَةِ مَحْدُودَة مِنَ الأرض، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ في الذين هاجَرُوا إلى الْمَدِينَةِ قَبْلَ نَسْحَ الْهَجْرَةِ، فإن في تكليف جميع الْمُؤمِنِينَ بِهَذه الهِجْرَةِ مَشَقَّةُ بالغَةٌ، والحنيفية جاءَتْ بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ، على أن دَوَاعِيَ الْهِجْرَةِ التي كانت أولاً الستَهَتْ بِهَذَا الفَتْحِ، وإِنَّمَا بَقِيَ الْجِهَادُ لِتَتَوَاصَلَ الفُتُوحُ في أَطْرَافِ جَزِيرَةِ العَرَبِ وَفِيمَا حَوْلَهَا مِنْ مَمَالِكِ الرُّومِ والفُرْسِ. ولا يَعْني نَسْخُ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْح أنها لا تَحِبُّ على الإطلاقِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ عندما تَتَحَوَّلُ بِيئته إلى بيئة كُفْر - بِحَيْثُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ وَيُصَدُّ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وعن الصَّلاة، ويكونُ غَيْرَ حُرِّ في مُمَارَسَةِ الوَاحِبَاتِ الدِّينِيَّةِ وَتَرْبِيَةِ أَوْلادِه وأَهْلِه عَلَيْهَا - يُحِبُّ عليهِ أَنْ يَهْجُرَ تِلْكَ البيئة إلى بيئةٍ أُخْرَى يَجِدُ إِسْلَامُهُ فِيهَا مُتَنَفْسًا، وَيَكُونُ آمِنًا عَلَى نفْسه وعلى أهله وأولاده من الفتنة في الدين والصَّدِّ عن ذِكْرِ اللَّهِ وعن الصَّلاةِ، لأن الحرية الدينيَّة مَطْلَبٌ ضَرُوري في حياة المُسلم
ولكنَّ هذه الهجرة لا تحِبُّ إِلى بَلَدٍ مُعَيْنِ كَمَا وَجَبَتْ مِنْ قَبْلُ إِلى أَرْضِ الْمَدِينَةِ
وإنَّما تَحِبُ إلى أيّ بَلَد من بلادِ الإِسْلامِ التي يُرْفَعُ فيها عن المُسْلِمِ أَيُّ ضَعْطِ لِصَدِّهِ عن الدِّينِ، فَإِنْ رَضِيَ بِأَنْ يُعِيشَ مَفْتُونَا بَيْنَ الْمَلاحِدَةِ والكَفَرَةِ وهو قَادِرٌ على التَخَلَّص منهم بالهجرة إلى غَيْرِهِمْ كان هَالِكًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتَهَاجَرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء /9897].
وهذا الْحُكْمُ يَنْطَبَقُ على كُلِّ الْمُسْلِمِينَ الذين يَقفُونَ تَحْتَ نيرِ الاسْتِعْبَادِ القَهْرِيِّ مِنْ قِبَلِ أَعْدَائِهِمْ، كَمَا حَصَلَ لِمُسْلِمِي الأندلس عندما اجتاحتهم الْحُرُوبُ
،
173