شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

بِخَيْلِهِ وَرَجله، رافِعًا شِعَارَ الْمُطَالَبَةِ بِدَمٍ عُثْمَانَ، لِتَغْرِيرِ ضِعَافِ النُّفُوسِ مِنَ المسلمين

واستَطَاعَ بِدَهَائِهِ أَنْ يَجْلِبَ إلى صَفْهِ عَمْرُو مِنَ العَاصِ الدَّاهِيَةَ الْمُحَنَّكَ. فكانت حرب صفين التي دارت رحاها بين طرفي الأمة؛ بين عُصبة الحق التي كان يقودها إمامها الشرعي علي بن أبي طالب وعُصبة البَغْيِ التي كان على رأسها مُعاوية وعمرو بن العاص، ولم يكن في نَفْسٍ أحدٍ من الفئة الأولى ريب أنهم على حق وأن عدوهم على باطل، ذلك لأنهم يقاتلون للحفاظ على دولة الإسلام من التصدع والتمزق، وعلى رأسهم قائد شرعي بويع على أساس مِنْ شَرْعِ الله كما يُويعَ مَنْ قَبْلَهُ. الخلفاء الراشدين، مع مجيء النص صريحًا بقتال الفئة الباغية، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات/9]. ومِمَّا زادَهم يقينًا أن قَتْلَ عَمَّارٍ - رضي الله تعالى عنه – كان على أَيْدِي تِلْكَ الفئة الْمُنْشَقّة عن جماعة المُسلمين، فقد قتله أصحاب معاوية، مع تُبُوتِ قَوْلِ النبي فيه: «وَيْحَ عَمَّار! تَقْتُلُهُ الفئة الباغية»، وهو حديث يُفيدُ القَطَّعَ، لأنه رواه عن النبي أكثر من عشرين صحابيا، بل رواه معاوية نفسه وعمرو نفسه، ولَمْ يبقَ ريب في صحته. ت کامپيوتر گر علوم کے ولكن لمَّا كادَ الحقُّ يُزْهِقُ الباطل بدَحْر فتته واستنصالِ شَافَتِه تَمَحْضَ دَهَاءُ عمرو عن مكيدة أوقعت كثيرًا من الذين كانوا يُدافعون عن الحقِّ فِي الفَجِّ، فانقلبوا من اليقين إلى الارتياب، وذلك عندما أَمَرَ بِرَفْعِ المصاحف على أطراف الرِّماح والْمُنادَاةِ بتحكيم القرآنِ مِنْ أَجْلِ صَوْنِ الدِّمَاءِ والحفاظ على الأرواح، وقد وُحِدَ فِي صُفُوفِ أَهلِ الحقِّ مَنْ غَرَّهُ بَرِيقُ الدنيا فَاصْطَنَعَهُ معاوية بماله لنفسه؛ وهو أَشْعَثُ بنُ قيس، الذي أَحَدَ يُرَوِّج بينَ الناسِ لِمَا دَعَا إليه عمرو ومعاويةً ومَنْ معهما مِنْ فِئَةٍ أَهل البَغْي.

فانْطَلَتْ هذه الحيلة على الضعفاء، وأوْجَدَت خَلْخَلَةٌ بالغة في صُفُوف المؤمنين،

مع أن أصحاب البصائر وعلى رأسهم أبو السبطينِ نَادَوْا مِنْ أَوَّلِ الأَمرِ بِرَفْضِها، وأَدْرَكُوا

175