شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٨٦ممثلُ فلته في التحكيم - وهو عَمْرُو بن العاص - أنْ يَعْزِلَهِ، وَإِنَّمَا نَادَى بِهِ أَمِيرًا للمُؤْمِنِينَ على رأسِ كُلِّ الحَاضِرِينَ، فَانكَشَفَت الْمُؤامَرَةُ والحَلَى الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وهنا وَجَدَ الذين رَفَضُوا التَّحْكِيمَ أنَّهم أصْبَحُوا بلا قائد، وقد انْفَلَتَ الزَّمامُ وأصبح الناسُ قُطعانا بلا راع، وقد أطلتِ الفِتْنَةُ برأسها وفَغَرَتْ فَاهَا مُكَشِّرَةٌ عَن أنيابها العُصْلِ لِتَلْتَهم ما تبقى مِنْ أمْرِ أُمَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يَرَوْا بُدا أَنْ يُبَايِعوا أحدهم للدفاع عن حِمَاهُم والذب عن حُرُماتِ الدِّينِ، فَوَقَعَ اختيارهم على عبدالله بن وَهْبٍ الراسبي - رضي الله تعالى عنه - وخرجوا عن محيط الفتنة الذي لَفَحَتْهُ أعاصيرُها الهَوْجَاء واعتزلوا الناس، فَنَزَلُوا بِالنَّهْرَوَان
ولكنَّ الذين نَسَحُوا خيوط الفتنةِ ونَصَبُوا شَرَاكَها لإيقاعِ الْأُمَّةِ فِيهِ لَمْ يَرُقْ لَهُمْ ذلك، لأنهم رَأَوْا أَنْ بَقَاءَ هذه الفئة يُشكِّلُ عَقَبَةٌ كَأَدَاءَ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ مارِبِهِمْ، إِذْ هُمْ
صَحْرَةُ الصُّمُودِ الصَّلْبَةِ التي لَمْ يُفتتها ما فتت الآخرين، فلم تَزِدْهَا الْمَحَنُ إِلا صَلابَةٌ. لذلك وجهوا كُلَّ العِنَايَةِ إليهم فَأَغْرُوا بِهِمُ النَّاسَ وأَتَارُوا عليهم حَفَائِظَهُمْ بِمَا الْصَقُوهُ بِهِمْ منَ التهم الكاذِبَةِ وأشاعُوهُ عنهم من الدعايات الفاجرة، حتى كانت معركة النَّهْرَوَانِ التي أسفرت عن سقوط آخر سور للْحَقِّ، وَاندَكَاكَ آخِرِ مَعْقِلِ لِحِمَايَتِهِ، فَصَفَا الأمرُ لِمُعاوية وطُويَتْ صَفْحَةُ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، لِيَحِلُّ مَحَلَّهَا مُلْكَ عَضُوضٌ يُحْيِي في هذه الأمَّة نظام الاستبداد الكسْرَوِيِّ القَيْصَرِيِّ الذي أبادَهُ الإسلام.
فَيَا فِتْنَةٌ فِي الدِّينِ ثَارَ دُعَانُهَا وَذَاكَ إِلَى يَوْمِ النُّورِ يَورُ نَجَوْنَا بِحَمْدِ اللهِ مِنْهَا عَلَى هُدًى فَنَحْنُ عَلَى سَيْرِ
بَصَائِرُنَا مِنْ رَبِّنَا مُسْتَمَدَّةٌ إِذَا اشْتَبَهَتْ لِلْمَارِقِينَ أُمُورُ وَتَقْنَا بِأَنَّ الدِّينَ عُرْوَةُ أَمْرِنَا وَمَا شَدَّ عَنْهُ فَشَتَةً وَغُرُورُ وَأَنَّ رِجَالاً حَكْمُوا اللَّهَ حُجَّـ عَلَى مَنْ بِتَحْكِيمِ الرِّجَالِ يَصُورُ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِم ونصرة تَجَاهَلَ فِيهَا عَسْكَرٌ وَأَمِيرُ
177