شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٩وأما الشكرُ لُغَةٌ فهو: فعل يُنبئ عن تعظيم الشاكر للمشكور
النعمة،
سواء كان قولاً يَنْطِقُ به أو عملاً يأتيه أو اعتقادًا يَتَصَوَّرُه، كما يُنْبِيُّ به قولُ الشاعر:
أَفَادَكُمُ النَّعْمَاء مِنِّي ثَلاثَة يدي وَلِسَانِي وَالصَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا و «الحَمْدُ» اصطلاحًا هو نفس الشكر لُغَةٌ، وإِنَّمَا يُبْدَلُ لفظ الشاكر بالحامد، والشكر اصطلاحًا هو: تسخيرُ الشاكر كلّ ما أَنْعَمَ به المشكور فيما خُلِقَ لأجله من الطاعة، وهو يعني أن يستخدم العبدُ نِعَمَ الله تعالى جميعًا فيما خُلِقَتْ لَهُ من الطاعة، وهو معنى تفسير بعض السَّلَفِ
للشَّكْرِ بقوله: «ألا تَعْصِيَ اللَّهُ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عليكَ»، ويدلُّ عليه أنه قوبل بالكفر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُورًا﴾ الإنسان/3]، وقوله حكاية عن عبده سليمان: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل/ 40]. والحمد من العبد لربه ينقسم إلى قسمين: مُطلق ومُقَيَّد
فالْمُطلَقُ: هو ما لم يكن في مقابل نعمة، والْمُقيَّدُ: ما كان على نعمة من نعمه، وهو أفضل من المطلق لأنه واجب والأول نقل، ولا تَخْفَى مَنْزِلَةُ الواجب فوق النافلة، لأَجْلِ ذلك قَيَّدَ الْمُصنف - رَحِمَهُ الله تعالى - حَمْدَه الرَبِّهِ ولا هنا بكبرى نِعَمِهِ تعالى وهي إنشاؤه الكائنات على غير سَبْقٍ مِثَالٍ، فَإِنْ جَمِيعَ نِعَمِهِ تَرَتَّبَتْ على هذه النعمة
العظيمة
وفي الإتيان بذلك بَرَاعَةُ استهلال، وهي أن يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ في فَاتِحَةِ كلامه ما يُؤذن بمقصوده، وقد ناسَبَ وصفه سبحانه بإنشاء الكائنات مقصود الْمُصَنِّف، وهو إثبات وجوده ل ووحدانيته واتصافه بِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، فَإِنْ كُلِّ ذَرَّةٍ من دَرَّاتِ الكائنات شاهِدُ حَةٍ على وُجُودِهِ تعالى، لإعلانهَا بِلِسَانِ حَالِهَا أَنَّهَا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى وَاجِبِ الوُجُودِ لِذَاتِهِ لإخراجها من العَدَمِ إِلى الوجود، ولأن الكائنات بأسرها تُشكل في مَجْمُوعها وحْدَةً متكاملةً، وهي بذلك تدلُّ على وَحْدانِيَّةِ مُكَوِّنَهَا، كما أن عجيب تناسقها وبديع نظامها من أكبر الدَّلالات على صفاته سبحانه من الحياة والقدرة والعلم
والسَّمْعِ والبَصَر والغنى.