شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٢٧الجملة وتفسيرها
ه وَأَوَّلُ الفَرْض من تأصيله جُمَل ثَلاثَةٌ، فُرْتَ إِنْ تَسْتَحْضِرِ الجُمَلا
يعني أنْ أوَّلَ ما افْتَرَضَه الله على عِبَادِه ثَلاثُ جُمَلٍ، وقد يُعبَّرُ عنها جَمِيعًا «الْجُمْلَةِ»، وَهِيَ غيرُ الجُمْلَةِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا عِنْدَ النَّحْوِيِّين على هذا التعبير، وإِنَّما هو اصطلاح خاصصٌ نَظَرًا إِلَى اسْتِمَالِهَا فِي إِجْمَالِهَا على الْعَدِيدِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَتَّضِحُ بِتَفْسِيرِها، وَهِيَ تَرْجِعُ كُلُّها إِلَى مَا يَحِبُ الإِيْمَانُ بِهِ عِنْدَ قِيَامِ حُجَّتِهِ وتَقْسِيمُها إِلَى ثَلَاثَ لاشْتِمَالِهَا على ثَلاثَةِ أَرْكَانِ؛ وَجَعَلِ كُلِّ رُكْنٍ مِنهَا جُمْلَةٌ مستقلة مع مُرَاعَاةِ الاصطلاح النَّحْوِي في الجُمْلَةِ. والأركانُ الثلاثةُ هي الإِيْمَانُ بِاللَّه وبِرَسُولِهِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، وأن ما أَنْزَلَ الله عليه هو الحقُّ الْمُبِينُ، فالأوَّلُ تَتَضَمَّهُ جُمْلة «أشهد أن لا إِلَهَ إلا الله»، والثاني جُمْلَةٌ وأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»، وَالثَّالِثُ جُمْلَةُ «وأشهدُ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هو الْحَقُّ مِنْ عِندِ الله»
فاعتبارها ثلاث جُمَلٍ لِمَا ذَكَرْناه من استقلال مَنْهُومِ كُلِّ وَاحِدَةٍ منها وَضَعًا، واعتبارها جُملةً واحدةً لأنها جَمِيعًا تُؤَدِّي إلى غاية واحدة؛ وهي الخروج من عُهْدَةٍ الكُفْرِ والدُّخُولُ في عُهْدَةِ الإسلام، ولا يَكُونُ ذلك إِلَّا لِمَنْ أَتَى بِهَا جَمِيعًا. وهذا الاصطلاح إنما هو خاصٌ بِأَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ الله - وَحْدَهُمْ، إِذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ عِنْدَ
والأصل في تكاليف الاعتقادِ أنْ يُطَالَبَ الإِنسانُ بِهَذِهِ الجملة، فَإِنْ جَاءَ بِهَا كان صحيح الاعتقادِ إِنْ لَمْ يَنْقُضهُ بِشَيءٍ مِمَّا يُنافِي مَفْهُومَها، لأن جَميعَ الْمُعتقدات الحقة الدرج تحت مدلولاتها ضمناً
فالشَّهَادَةُ بِأنْ لا إِلَهَ إلا الله تعني إفراده سبحانه وحده بالألوهية، وما ذلك
إلا لأنه لا تختلف صفاته عن صفات خلقه، فهو لا يُشْبِهُهُمْ وَهُمْ لا يُشْبِهُونَه، لأن
صفاته تليق بكمالات الألوهية.
18