شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٢٨

والشَّهادة بأنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله تَقْتَضي التَّصْدِيقَ الْمُطْلَقَ بأَنْ كُلِّ ما بَلْغَهُ

عن الله تعالى هو حَقٌّ، وهو مَدْلُولُ الجُمْلَة الثالثة التي جاءَتْ مُؤَكِّدَةً هذا المعنى. ويَنْدَرِجُ ضِمْنَ ذلك التصديقُ بِجَميعِ الحقائقِ الغَيْبِيَّةِ التي أَخْبَرَ بِهَا عليه الصلاةُ والسلام، سَوَاءً ما كانَ مَنْصُوصًا عليه في الوَحْيِ الظاهر الذي أُوحِيَ إليه وهو القرآنُ، أو كان مِمَّا تَضَمَّنَهُ الوَحْيُ الباطِنُ فَصَاغَهُ في حديثه عليه أفضل الصلاة والسلام، ويَدْخُلُ في ذلك الإيمان بصفات الله وأفعاله، والإِيْمَانُ بِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَبِكُلِّ مَا أُوحِيَ إليهم من كتب وغيرها، وبالْمَلائِكَةِ وأحوالهم، وباليومِ الآخِرِ وجَميعِ أحواله، وبقضاء الله وقدره.

الجملة

على أن كثيرًا مِنْ عُلمائنا اكتفوا في هذا بالشَّهادَتَيْنِ، لانْدِرَاج مفهومِ الثالثة في الإيمان برسالة محمد - عليه الصلاة والسلام -، لأن هذا الإيْمَانَ يَعْني التصديق بأن ما جاء به هو الحقِّ الْمُبِينُ مِنْ عند الله، ويُؤيَّدُ ذلكَ حديث «أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إله إلا الله محمَّدٌ رسولُ الله، فإذا قالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا». وفي حديث ابنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْحَيْنِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسولُ الله، فإذا فَعَلُوا ذلك فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ

بِحَقِّهَا

إلا بحق الإسلام».

ومِنْ تَيْسِيرِ اللهِ تَعَالَى دِينَهُ لِعِبَادِهِ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُم اسْتِحْضَارَ الْمعتقدات الحقة بأَسْرِهَا دُفْعَةً واحِدَةً، وإِنَّمَا جَعَلَ تكليفهم بهَا تَدَرُّعًا، فَأَوْجَبَ عليهم أَوَّلاً هذه الجملة، وكانت كافية في عَد مَنْ جَاءَ بِهَا مُؤمنًا صحيح الإيمانِ، وإِنَّما تَحِبُّ الْمُعْتَقَدَاتُ الحَقَّةُ تَفْصِيلاً على مَنْ قامت عليه حُجَّتُها وَوَضَحَ لَهُ معناها، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يَقْتَصِرُ في دَعْوَةِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الإسلامِ بِعَرْض هذه الجملة عليهم مُتَمَثْلَةٌ في الدَّعْوَةِ إِلَى الإتيانِ

بالشهادتين

19