شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٢٩

هذا؛ ولهذه الجملة عند أصحابنا تَفْسيران:

(أ) اعتقادي: وهو ما أشرنا إليه من الإيمان تفصيلاً بصفات الله وأفعاله والنَّبيِّينَ والملائكة والكتب واليَوْم الآخر وبقضائه وقدره، ولا يُحِبُّ شيءٌ مِنْ ذلك إلا

على من قامت عليه حُجَّتُه - كَمَا ذَكَرْنَا -

(ب) عَمَلِيٌّ: وهو الوفاء بالتكاليف الشرعية التطبيقية فعلاً وتَرَكًا في حين وجوبها. والدليل على كون ذلك تَفْسِيرًا للحملة: أن الإتيان بهذه الجملة إنَّما هو عَهْدٌ وميثاق بين العبد وربه بالالتزام التام بفعل أوامره وتَرْكِ نواهيه، فإن العبد إذا شَهِدَ أَنْ لا إله إلا الله كانت شهادته ميثاقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّه سبحانه لأنْ يَلْتَزِمَ طَاعَتَه، لأن معنى ذلك أنَّه لا معبود بحق إلا الله، والعبادة هي منتهى الطاعة وغايةُ الخُضُوعِ والانقيادِ، فَإِنْ أَصَرَّ بِحَقِّ بعد ذلك على مَعْصِيَتِهِ وتَجَرَّاً على انتهاك حرماته كان ذلك نَفْضًا لِهَذَا الْميثاق والدليل على هذا التفسير: ما جاء في حديث ابن عُمَرَ مِنْ قوله - عليه أفضلُ الصلاة والسلام: «فإذا فَعَلُوا ذلك فقد عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأموالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإسلام»، وقوله في الرواية الأخرى: «إلا بحقها»، حيثُ أَشَارَ إِلَى أَنْ لِهَذَا الإِسلامِ الذي يُسْلِمُهُ العبدُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ حَقًّا لا بُدَّ لَهُ مِنَ الوَفَاءِ بِهِ.

-

6. وَإِنْ أَتَيْتَ بِهَا نُطْقًا حَفِظْتَ بِهَا للنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَالسَّبْيُ بِهَا حُظِلا

النُّطْقُ بهَذه الجملة يَصُونُ النفس البشريَّةَ مِنَ الحكم عليها بأحكام المشركين، ويترتب على ذلك صَوْنُ مَنْ نَطَقَ بِهَا عَنْ سَفْكِ دَمِهِ أو غُنْم ماله أو سَبي ذُرِّيته، لأنَّها حُجَّةٌ فيما بَيْنَ مَنْ نَطَقَ بها وبين المسلمين، إذ الناسُ مُتَعَبَّدُونَ فيما بينهم بِمَا يَبْدُو مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ ظواهِرِ الأقوال والأفعالِ دُونَ ما يَخْفَى عَنهُم مِنْ طَوَايَا النَّوَايَا والأحوال، ولذلك صِينَتْ دِمَاءُ الْمُنَافِقِينَ الذين أَتَوْا بِهَذِهِ الجملة بألْسِنَتِهِمْ مع ما عَلِمَ الله مِنْ دَعَائِلَهِمُ التي تُنَافِيها، وإِنَّمَا اللَّهُ وَحْدَهُ يُحَاسِبُهُمْ وَيُجَازِيهِمْ عَلَى هَذهِ الدَّعَائِلِ

20