شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٣٣وَأَنَّ النَّدَّ: هُوَ الْمُسَاوِي الْمُضَادُّ.
وَأَنَّ الْمَثَلَ - بِالتَّحْرِيكِ، وَيُقَالُ: مِثل بِكَسْرِ فَسُكُون ومثيل -: هُوَ
الْمُسَاوِي في جميع الصفات.
وخلاصة ذلك أن الله لا يُشبه شيئًا ولا يُشبهه شيء، فهو مُباين
لمخلوقاته في كلّ أوصافه، فلا يُوصَفُ بِشَيْءٍ من صِفَاتِ خَلْقِهِ قَطُّ، لأنه خالق الخلق، ويستحيل عقلاً وشَرعًا أن تشبة الصَّلعَةُ صانعها
وكيف يكون مثلها وهو الأزلِيُّ الأَبَدِيُّ الذي لَمْ يَسْبِقُ وُجُودَهُ عَدَمٌ وَلَا يُعْقِبُهُ فَنَاءٌ، وَلَمْ يَتَوَفَّف وجوده على وجود غيره، وإِنَّما وُجودُ كُلَّ ما عَدَاهُ ما كان إلا بوجوده، فهو الذي أَخْرَجَ كُلُّ شيءٍ من العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَمَعْنى هذا أن ما عَدَاهُ ناقص، ولَهُ وَحْدَهُ الكَمَالُ الْمُطلَقُ، وما بِغَيْرِهِ من مظاهر الكمال فهو مِنْ عِندِهِ نِعْمَةً أسبغها عليه وحليّةً زيَّنَهُ بهَا، وقد عرفنا سبحانه بنفسه عندما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْله شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى / 11]، وقال: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد /3].
هذا ولا يُنافي ذلك ما نَحدُهُ في بَعْض مخلوقاته من الأَنْصَافِ بَبَعْض الصفات التي هِيَ مَظَاهِرُ لِكَمَالاته، كالحياة والسَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ؛ للتباين العظيم بين صفات الحقِّ وصفاتِ الخلقِ في كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَنصَافَ الْمَخْلُوقِ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ ذلك لَمْ يَكُنْ إلا فَيْضاً رَبَّانِيَّا وفضلاً لَدُنيا اختَصَّ بِهِ تَعَالَى مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِه، بينما انصاف الحقِّ بذلك ذَاتِي لَمْ يَأْتِ مِنْ قَبْلِ غَيرِه.
ومع هذا فإن اتصاف الْمَخلُوقِ لا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ نِسْبَةٌ مَحدودةً تَكَادُ تَتَلاشَى في خصم ما يَتَّصِفُ بِهِ مِنْ أَصْدَادِ هذه الكَمَالاتِ، فَهُوَ وَإِنْ أُوتِيَ مِنَ العلم والقدرةِ والسمع والبصر ما كان به آيةً بين الخلق؛ لَيْسَ لَهُ من حقائقِ هذه الصفات إلا النَّزْرُ الذي لا يكاد يُذكر إذا ما قِيسَ بِمَا يَزْخَرُ به من أضدادِهَا، فَإِنَّ مَا يَعْلَمُهُ لا يُساوِي شَيْئًا بِجَانِبِ ما يَجْهَلُه، وما يقدر عليه لا يُعَدُّ شيئًا بجانب ما يَعْجَرُ عنه، وما يَسْمَعُهُ مِنَ الأصوات لا
24