شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٣٤يكاد يُذكر بجانب ما لا يَسْمَعُهُ، وهكذا ما يُبْصِرُه ما هو إلا نقطةٌ في بَحْرِ ما لا
يُبْصِرُهُ من الكائنات
على أنه لا يُدْرِكُ إِلا ظَوَاهِرَ الأشياء دُونَ عَفَايَاهَا، والله سبحانه وتعالى مُحيط بِكُلِّ شَيْءٍ إِدْرَاكًا وَقُدْرَةٌ، فهو لا يُعجزه شَيْءٌ، ولا تخفى عليه خافية، وهكذا في
جميع الصفات
•
8 وَأنهُ لَيْسَ جِسْما لا وَلَا عَرَضًا لَكِنَّهُ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ كَمُلا 9. وَوَاحِدٌ فِي الصَّفَاتِ وَالعِبَادَة وَالـ أَفْعَال طُرًّا، فَلَا تَبْغُوا بِهِ بَدَلا
أي: ونَدين كذلك بأنه تَعَالَى لَيْسَ جسمًا ولا عَرَضًا، لأن الأجسام والأعراض لا تكون إلا حادثة مخلوقة، وكلٌّ منها مُفْتقر إلى غيره، فالجسمُ لا يَخْلُو مِنَ الأَعراضِ، لأنه لا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرَكَةِ أو سُكُونِ، وَهُمَا عَرَضَانِ، ولا بُدَّ لَه مِن لَوْنِ يَظْهَرُ به، وهو
أيضًا مِنَ الأَعراضِ، والْعَرَضُ لا بُدَّ له من -، وَالْعَرَضُ لَا بُدَّ لَه مِن حِسْمِ فَهو مفتقر إليه
و
•
والجسم هو أيضًا بحاجة إلى مكان يَحلُّ به وزمان يَجْرِي عليه، والزمان والمكانُ
حادثانِ، وما افتقر إلى الحادث فهو حادث، على أنه لو قيلَ بِعَدَمِ حُدُوثِ المكانِ لَزِمَ منه
تعدد القدماء
، وهو مُسَوِّخٌ لتَعَدُّد الآلهة، على أنه لو كان مفتقرًا إلى مكان لكان المكان
أولى منه بالألوهية لكونه مفتقراً إليه ثُمَّ إنه لو كان جسمًا لَتَرَتَّبَ عليه أن يكون مَحْدُودًا من جهاته الست، والْمَحْدُودُ إِمَّا أن يكون قادرًا على الامتدادِ أو غير قادر عليه، وكل منهما باطل، فَإِنَّهُ لو كان يَمْتَدُّ ويزيدُ لَزِمَ من ذلك كونه متغيّرًا غير ثابت، والتغيرُ من سمات الحوادث، ثُمَّ إن الفضاء الذي يَزِيدُ فيه إما أن يكونَ عَيْنه وإما أن يكون غَيْرَه، ويستحيل أن يكونَ عينه، لأن الشيء لا يزيد في عينه، وإن كان غيرَه لَزِمَ افتقاره إليه.
25