شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٣٥ويبطلان ذلك كلّهِ يَتَعَيَّنُ بطلان كونه جسما، وإِذا ظَهَرَ بُطلانُ كَوْنِهِ جسما فبطلان كونه عَرَضًا أَظْهَرُ، لأنَّ العَرَضَ مفتقر إلى الجسم، إذ لا يقوم بنفسه، كنسور
الشَّمْسِ وَلَوْنِ الوَرْدِ وحَرَكَةِ المتحرِّكِ وسُكون الساكن.
عليه
وإذا ثبت أنه لَيْسَ جِسْمًا ولا عَرَضًا فمعنى ذلك أنه واحد في ذاته، يستحيل التَّعَدُّدُ ويستحيل عليه مشابَهَةُ شيءٍ من الذُّوَاتِ الأخرى، كما أنه واحدٌ في صفاته لاستحالة أن تكون صفاته كصفات الخلق، وواحدٌ في أفعاله فلا تُشبه أفعاله أفعال الْخَلْقِ، لأن أفعالهم لا تكون إلا بمحاولة ومُزَاوَلَةِ، وأفعال الله بخلاف ذلك، وإِنما يَقُول للشيء كن فيكونُ، ولا يستعين على أي شيء بأعوان، فلا يُشارك في شيءٍ مسن أفعاله، إذ لا أثر لغيره تعالى في إيجاد الخلق ولا في إفنائهم ولا في بَسْطِ رِزْقه ولا في قبضه، ولا في رفعه ولا في خفضه، ولا في إثابته ولا في مُعاقَبَتِه، ولا في أي شيءٍ مِمَّا يُحدثُ في خلقه.
لأجل ذلك كان واحدًا في عبادته فلا يُشرك فيها غيره، وذلك معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا مَعْبُودَ بحَقِّ سَوَاهُ، فكل ما يُعبد دونه عبادته باطلة، لأنه نفسه
مخلوق مفتقر إليه تعالى
رهاوم کر
لذلك لم يكن لأحد أن يَبْغِي به تعالى بَدَلاً يَعْبُدُهُ مِنْ دُونِهِ أو مَعَه أو يستعين به في أموره ويدعوه في كشف كربه، فإن الله وحده هو الذي يكشف الكروب ويستجيب الدعاء، ولذلك وَجَبَ أن يُفْرَدَ بالدعاء والاستعانة كما يُفرد بالعبادة، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة /ه]. أي لا نعبد إلا إياك ولا تستعين إلا إياك
وذلك لا يُنافي تعاون الناس فيما بينهم فيما كان التعاون فيه من سنن الحياة الستي يقوم عليها نظامها، فإن هذه الاستعانة إنَّما هي بالله في حقيقتها وإن كانت بمخلوقه في ظاهرها، إذ الله تبارك وتعالى هو الذي أَقْدَرَ ذلك المخلوق على الرعاية ومكنه منها
وساقه إليها.
26