شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٤١

- وَإِمَّا أَن تَكُونَ مُقارنةً لَهَا، فَتَكُونُ مُشاركة له في القدم، وتَحِبُ عَلَى هَذَا مُشَارَكتُهَا لَهُ في الألوهية أيضًا، لأن كلا منَ الصَّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ قَدِيمٌ. - وَإِمَّا أَن تَكُونَ حَادِلَة، وهو عَيْنُ الْمُستحيل، لأن كُل حادث يَفْتَفِرُ إِلَى مُحدث أَحْدَثَهُ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ العِلْمَ وَالقُدْرَةَ والحَيَاةَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُتَّصِف بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا الخَلْقِ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا ولا قادرًا وَلا حَيًّا ولا سَمِيعًا ولا بَصِيرًا أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا قَط، فَضْلاً عَنْ خَلْقه لهذه الصفات، فَإِنَّ مُطْلَقَ الْخَلْقِ يَتَوَقِّفُ عَلَيْهَا، وَأَنَّى لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا أَنْ يَخْلُقَ العِلْمَ؟! وَلِمَنْ لَمْ يَكُنْ قادرًا أنْ يَخْلُقَ القُدْرَةَ؟! وَلِمَنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا أَنْ يَخْلُقَ الحَيَاةَ؟! وَلِمَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِيعًا أَنْ يَخلُقَ السَّمْعَ؟! وَلِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا أَنْ يَخْلُقَ البَصَرَ؟!

عَلَى أَنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلانِ القَوْلِ بزِيَادَتِهَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهِ وكان بها خلقه لمخلوقاته وإعْدَامُها، وكُلُّ ما يَكُونُ مِنْ أَفْعَالِه مِنْ بَسْطِ وَقَبْضِ وَعَطَاء وَمَنْعِ وَرَفْعِ وَحَفْضٍ؛ لَمَا كَانَ وَجْهُ لاستحقاقه العِبَادَةَ دُونَهَا، وَلَوْ قِيلَ بِإِشْرَاكِهَا مَعَهُ فِي العِبَادَةِ كَانَ ذَلِكَ عَيْنَ تَعَدُّد الآلهة، مع أن الإلهُ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ،

في ملكه

ر علوم /

وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُم إِلَى أَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ مَعَانِ حَقِيقِيَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ، فَهُوَ - عِنْدَهُمْ - عَلِيمٌ بِعِلْمٍ زَائِدِ عَلَى ذَاتِهِ، وَقَدِيرٌ بِقُدْرَةِ زَائِدَةِ عَلَى ذَاتِهِ وَحَيٌّ بِحَيَاة زائدة على ذَاتِهِ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الصَّفَات

واسْتَدَلُوا لذَلكَ بقياس الغائب عَلَى الشَّاهِدِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَدلُولَ الوَصْف في الشَّاهِد وَالغَائب سَوَاء، وَبِمَا أَن هَذه الصِّفَاتِ فِي الشَّاهِدِ لا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعَانِي حَقيقيَّةٌ تَقُومُ بالذَّوَاتِ الْمُتَّصفَة بها - فَلا يُسَمَّى عَالِمًا إِلَّا مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَةٌ العلم، ولا قادرًا إِلَّا مَنْ قَامَتْ به صفةُ القُدْرَةِ، وَلا سَمِيعًا إِلا مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَةُ السَّمْع،

32