شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٤٢

وَلا بَصِيرًا إِلا مَنْ قَامَتْ بهِ صِفَةُ البَصر - فهي في الغالب كذلك لا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً

عَلَى ذَاته

كَمَا اسْتَدَلُوا بِأَنَّ هَذه الصَّفَاتِ لَوْ كَانَتْ عَيْنَ ذَاتِهِ تَعَالَى لَكَانَتْ وَاحِدَةٌ، وَمَعْنى ذلِكَ أَن العِلْمَ هُوَ عَيْنُ القُدْرَةِ والقُدْرَةَ هِيَ عَيْنُ السَّمْعِ والسَّمْعَ هو عَيْنُ البَصَرِ، وَذَلِكَ باطل لأن لكُلِّ صفة منْهَا مَدْلُولاً غَيْرَ مَدَّلُول الصفة الأُخْرَى

وَالجَوَابُ عن الاسْتِدْلالِ الأَوَّلِ بِأَنْ قِيَاسَ الغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ غَيْرُ مُسَلَّم؛ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ تَشْبِيهِ الخَالِقِ بِالخَلْقِ، وَهُوَ مَا قَطَعَ دَابِرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى /11].

عَلَى أَنَّ فَتْحَ بَابَ هَذَا القِيَاسِ يُفْضِي إِلَى مَا لَمْ يَقُلْهُ هَؤُلاءِ القَائِسُونَ وَلَا غَيْرُهُمْ من هذه الأمة، فإننا نجد أن الشاهد يَكُونُ مَوْجُودًا بلا علم قط ولا قدرة قط، كما نَصَّ عَلَى الأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) النحل / 78]، وَتَدُلُّ الْمُشَاهَدَةُ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ تَحْدُثُ لَهُ مَلَكَةُ العِلْمِ وَيَأْخُذُ فِي النَّدَرُّج في اكتساب الْمَعْلُومَات شَيْئًا فَشَيْئًا، وَعِنْدَمَا يَدُبُّ إِلَيْهِ الضَّعْفُ تَضْعُفُ هَذه الْمَلَكَةُ فِيمَا يَضَعُفَ، وَقَدْ يَجْهَلُ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ يَعْلَمُ، وَذَلكَ عِنْدَمَا يَصِلُ إِلَى الْمَرْحَلَةِ الَّتِي عَبر عَنْهَا القُرْآنُ بِأَرْذَلِ الْعُمُرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل/ 70]. وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الصَّفَاتِ، فَإِنَّ جَمِيعَ حَوَاسِهِ وَطَاقَاتِهِ تَبْدَأُ ضَعِيفَةً، وَتَأْخُذُ فِي النُّمُو إِلَى أَنْ تَتَوَافَى إِلَى حَدٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ

تَأْخُذُ في الانْتِكَاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [بس/68]. وَلَوْ قِيسَتْ صِفَاتُ الحَقِّ عَلَى صِفَاتِ الخَلْقِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ فِي صِفَاتِهِ كَشَأْنِ خلْقِهِ، وَيَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالتَّعَلم، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِالتَّدَرُّج في مَرَاحِلِ القُدْرَة، وَأَنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ تَنْمُو بمُمَارَسَة مُتَعَلَّقَاتِهَا، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَا بَيْنَ صِفَاتِ الحَقِّ وَصِفَاتِ الخَلْقِ مِنَ التَّضَادٌ، فَإِنْ كُلِّ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ مظاهر صفاتِ الكَمَالاتِ لا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ نِسْيًّا مَحْدُودًا لا يُوَازِي شَيْئًا بِجَانِبِ مَا

33