شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٤٥

الرؤية

11. وَلا يُحِيطُ به – سُبْحَانَهُ - بَصَرٌ دنْيَا وَأَخْرَى، فَدَعْ أَقْوَالَ مَنْ نَصَلَا

مُرَادُهُ أَنَّ الله سبحَانَه مُنَزَّةٌ عَنْ رُؤْيَةِ الأَبْصَارِ لَهُ، لَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيئًا ولا يُستَبهُهُ شَيْءٌ، فَوُجُودُهُ لَيْسَ كَوُجُودِ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ مُنَزَّةٌ عَنِ التَّحَيُّرِ فِي مَكَانِ، وَعَنْ وَصْفه بِالْأَلْوَانِ، وَالرُّؤْيَةُ لَا تَفَعُ إِلَّا عَلَى مُتَحَيِّرٍ ذِي حِرْمٍ كَثِيفٍ، مُتَّصِفٍ بِأَحَدِ الْأَلْوَانِ، مُسْرٍ بِنَفْسِهِ أَوْ وَاقِعِ عَلَيْهِ شُعَاعُ غَيْرِهِ، غَيْرِ دَقِيقِ جدًّا، وَلَا مُتَّصِلِ بِالبَاصِرَةِ وَلَا بَعِيدٍ جِدًّا فَإِنْ قِيلَ بِأَنْ هَذِهِ السُّرُوطَ إِنَّمَا هِيَ فِي تَحَقَّقِ رُؤْيَةِ الشَّاهِدِ دُونَ الغَالِبِ، وَقَدْ

قُلْتُمْ بِمَنْعِ قياس الغائب على الشاهد في باب الصفات

فَالْجَوَابُ: أَنْ هَذِهِ السُّرُوطَ هِيَ الَّتِي يَتَحَقِّقُ بِهَا مَدْلُولُ الرُّؤْيَةِ اللُّغَوِيُّ، وَحِطَابُ الشَّارِعِ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ وَضع اللغَاتِ، وَمَنْعُ قِيَاسِ الغَائِبِ عَلَى الشَّاهِد في باب الصفات لتنزيهه سُبْحَانَهُ عَنْ مُشَابَهَة خَلْقِه، كَمَا دَلْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ﴾ [الشورى / 11]، وَذَلِكَ نَفْسُهُ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ رُؤْيَتِهِ؛ لِئَلَّا يَتَسَاوَى مَعَ مَخْلُوقاتِهِ في تَسَلَّط إِحْدَى الْحَوَاسٌ عَلَى ذَاتِهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُدْرَكَ بِحَامَّةِ البَصَرِ لَحَازَ ذلكَ لِجَمِيعِ الحَوَاسَ كَاللُّمْسِ وَالسَّمِّ وَالدَّوْقِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ الأَدلَّةُ النَّقْليَّةُ

فَإِنَّ أَصْرَحَهَا وَأَقْوَاهَا وَأَدَلُهَا عَلَى اسْتِحَالَةِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى: قَوْلُهُ: و لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام /103]، فَإِنَّهُ سِيقَ مَسَاقَ التَّمَدُّحِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلا يُمْكِنُ تَبَدُّلُهُ دُنْيَا وَلا أُخْرَى، لأَنَّ مَدَائِحَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا تَسرُولُ، فَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة/ 255]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الحسن /3]، وَقَوْلِهِ: {وَلَا

36