شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٤٦

يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف/49]. فَلا يَجُوزُ انْقِلابُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلى ضِدَّهِ، فَلا وَجْهَ لِحَصْرِ هَذَا النَّفْي في الدُّنْيَا دُونَ الآخِرَةِ، وَلا في جَعَلِهِ حَاصًا بِبَعْضِ الْأَبْصَارِ دُونَ بَعْضٍ. وَمَا قِيلَ مِنْ أَنْ الإِدْرَاكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ مَرْدُودٌ بِأَنْ إِدْرَاكَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَإِدْرَاكَ الأذن سَمَاعُهَا، وَإِدْرَاكُ اليَدِ قَبضُهَا، وَإِدْرَاكُ السَّهْمِ إِصَابَتْهُ، وَإِدْرَاكُ العَيْنِ رُؤْيَتُهَا

وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعَاجِمُ اللُّغَوِيَّةُ الْمُعْتَمَدَةُ فِي تَفْسِيرِهَا الإِدْرَاكَ بِاللْحَاقِ.

وَمِنَ الأَدلَّةِ عَلَى ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: {لَنْ تَرَانِي) الأعراف (143]. فَإِنْ «لَنْ» مِنْ أَقْوَى عَوَامِلِ النَّفْيِ، فَلِذَلِكَ تُفِيدُ تَأْكِيدَهُ أَوْ تَأْبِيدَهُ، وَلَئِن الْتَفَتْ رُوْيْتُهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَانْتَفَاؤُهَا عَنْ غَيْرِهِ أَحْرَى

وَمِنْ أدلته مَا جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ في القُرْآنِ عَلَى مَنْ سَأَلَهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أم تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل} [البقرة / 108]، وقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (السا / 153].

مر تحقيقات کا موتر کر علوم اسلامي

ومِنْ دَلائِلِ ذَلِكَ فِي السُّنَّةَ النَّبَوِيَّة

حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ الشَّيْحَيْنِ: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَّتُهَا وَمَا فِيهَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنَيْتُهَا وَمَا فِيهَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَرَوْا رَبَّهُمْ إِلَّا رِدَاءُ الكَبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِ رَبِّنَا فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». فَإِنْ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ أَعْلَى مَنَازِلَهُمْ وَقَرَّبَهُمْ مِنْهُ، فَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رُؤْيَتهمْ إِيَّاهُ إِلا الصَافَهُ تَعَالَى بالكبرياء، وَرُؤيَّتُهُ تُنَافِي كَبْرِيَاءَهُ، وَصفَةً كَ الكبرياء صفة ذاتية الله لا تَبَدَّلُ، فَمَا التَفى يستبيها فإن النقاءه أبدي يستحيل ضده. . وحديث أبي ذر له عند مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ وَحَدِيثُ ذَرٍ عِنْدَ النَّبِيَّ

فَقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ!». فَإِنْ قَوْلَهُ: «أَنَّى أَرَاهُ» اسْتَبْعَادٌ لأَنْ تَحُوزَ رُؤْيَتُهُ

37