شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٦٤الصِّرَاط والحساب:
21. وَلا الصِّرَاطُ بِعِسْرِ مِثْلَ مَا زَعَمُوا وما الحساب بعد مثلَ مَنْ ذَهلا
يَعْنِي أَنَّ الصَّرَاطَ لَيْسَ هو حِسْرًا على مَتْنِ جَهَنَّمَ يَعْبُرُهُ السَّالِكُونَ - كَمَا هُوَ رأي كثير من العلماء - وَإِنَّمَا الصراط هو دين الله الحَقُّ الذي تَتَوَفَّفُ نَحَاةُ كُلِّ أَحَدٍ على
سُلُوكه بحذق وَحَذَرٍ. والدليل على ذلك أنَّ اللهَ سَمَّاهُ صراطًا مستقيما في قَوْلِهِ تَعْلِيمًا لعباده: ﴿اهْدِنَا الصَّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتة)، وفي قوله: ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا بعوا السبل فتفرق بكُمْ عَنْ سَبيله﴾ [الأنعام /153]، وَقَوْله: وإِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى بِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قيماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام/161]. أمَّا مَا جَاءَ في الروايات من أنّ الصِّرَاط جسر على مَتْنِ جَهَنَّمَ يَعْبُرُهُ النَّاسُ، وأَنَّه أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي عُبُورِه؛ مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُرُهُ كَالبَرْقِ وَمِنْهُمْ كَالرِّيحِ ومِنْهُمْ كَالفَارِسِ وَمِنْهُمْ كَالْمَاشِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهوي بهم في النَّارِ، فَمَا هُوَ إِلا تَمثيل التفاوت الناس في اتباع الدِّينِ، فَمِنْهُم الخَاذِقُ الْمَاهِرُ الذي لا يُفَرِّط في شيء منه، وَمِنْهُم مَنْ هُوَ دُونَ ذَلكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُرْدِيهِ شَهَوَاتُهُ فِي جَهَنَّمَ.
ويَدُلُّ على أنَّ القَصْدَ بِذَلِكَ التَّمْشِيلُ: حَدِيثُ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ اللهِ عِنْدَ أَحْمَدَ والترمذي - وَحَسَنَهُ - وَالحَاكِمِ - وَصَحْحَهُ - وَالنَّسَائِيِّ وابنِ جَرِيرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وأَبِي الشيخ وابن مَرْدَوَيْه والبَيْهَقِيِّ فِي شُعَبِ الإِيْمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ضَرَبَ اللَّهُ مثلاً صِراطًا مستقيما، وعَلى جنبتي الصِّرَاطِ سُورَانِ فيهما أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْحَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا وَدَاعِ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْ، فَإِنَّكَ إِنْ فَتَحْتُهُ تَلِحْهُ. فَالصِّرَاطَ: الإسلام، والسُّورَانِ: حُدُودُ
55