شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٨٢الإيمان بالقرآن والقولُ في خلقه وخلق غيره مما أنْزلَ عَلَى
29. وبالقُرَان خُصُوصًا بَعْدَ جُمْلَتِهَا وَلَيْسَ مِنْهَا قَدِيمٌ يَحْتَوِي الْأَزَلا 30. بَلْ كُلَّهَا خَلَقَ الباري وَكَوَّنَهُ فيمَا يَشَاءُ، فَلَا تُصْعُوا لِمَنْ عَدَلَا
تَقَدَّمَ وُجوبُ تَمْيِيزِ القُرْآنِ بِتَعْيِينِهِ في الإِيْمَان مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الكُتُبِ، ذلك لأننا مُتَعَبدُونَ بِاتِّباع ما احْتَوَاهُ أَمْرًا ونَهْيًا، إذ هو النَّاسِحُ لِمَا تَقَدَّمَهُ، فكان هذا التعيينُ أمْرًا ضَرُورِيًّا لانتِظَامِ حَيَاتِنَا الإيمانِيَّةِ والعَمَلِيَّة حَسْبمَا تُعْبُدُنَا، فَلا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُ القُرْآن، وهو: الكتابُ الْمُنْزَلُ على نَبِيِّنَا لِلتَّحَدِّي والإِعْجَازِ الْمَنْقُولُ عنه بِالتَّوَاتُرِ
القطعي.
وقول المصنف - رحمه الله -: «وَلَيْسَ مِنْهَا قَدِيمٌ يَحْتَوِي الْأَزَلا» فِيهِ تِبْيَانٌ لمَقُولَة الحقِّ في القرآن وما أَنْزَلَ الله سبحانه وتعالى مِنْ كُتبه على أنبيائه ورسله، فإِنَّه مِمَّا يَتَجَلَّى للأذهان بَدَاهَةً أن هذه الكتب كلها كائنة بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، فهي حادثةٌ، وحُدُوثُها يُؤذِنُ بِمَخْلُوقِيَّتِهَا، إذْ كُلُّ حادث لا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحدث أَحْدَثَهُ، وإلا لَحَازَ حُدُوتُ
الحَوَادِثِ بِنَفْسِهَا، وذلك عَيْنُ الْمُحَالِ، لأنَّه يَقْضِي بطلان الألوهية. ومِمَّا ومما لا يُمَارِي فيه ذُو لُبَ: أَن هذه الكُتُبَ جَمِيعًا هي مُبَايَنَةٌ لذَات الله العليَّةِ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْنَسَاعَ عَفْلاً أنها هي عَيْنُ ذاته ول، ولا أَنَّهَا جُرَّهُ مَنْ ذَاتِه، وكَمَا يَسْتَحِيلُ كونها جميعًا كذلك يَسْتَحِيلُ اتصافُ بعضها بِهَذِهِ الصَّفَةِ، وَلَئِنْ تَبَتَ انها غير ذاته تعالى تَعَيَّنَ كَوْنُهَا مَخْلُوقَهُ لَهُ وَ، إِذْ كُلُّ ما سَوَاهُ فَقَدْ خَلَقَهُ، بِمَعْى أَخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، قال تعالى: الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام /102]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلِّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان /2]. ولا رَيْبَ أَنْ تِلْكُمُ الكُتُبَ مِنْ جُملة الأشياء، وإلا لما كان مَعْنُ للإيمان بها.