شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٨٣

فَإِن قيل: إنَّها وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذاته فإنَّها من صفاته، وصفاتُ اللَّهُ أَزَليَّةٌ،

لأنَّه لَوْ لَمْ يَتَّصِفُ بِهَا فِي الأَزَلِ لأَنصَفَ بِأَصْدَادِهَا؛ قُلْنَا: لَيْسَتْ هِي مِنْ صِفَاتِهِ، وإنما هي مِنْ آثارِ صفاته، إِذْ يَسْتَحِيلُ أنْ تَنْفَصَلَ الصَّفَةُ عَمَّنْ هُو مُتَّصِفٌ بها، وأَنْ تَكُونَ حَالةً في غيره، وقد وَصَفَ الله تعالى القرآن الكريم الذي هو أَهمُّ هذه الكتب بأنَّه قائِمٌ بِغَيْرِهِ تَعَالَى مِنْ مَخْلُوقَاتِه، فقد قال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ محفُوظ | البروج 21 - 22]، وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتُ فِي صُدُورِ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت / 49). وإنَّما قُلْنَا بِأَنَّها مِنْ آثَارِ صفاته، لأَنَّها لَمْ تَحْدُتْ إِلا بِقُدْرَتِهِ تعالى وعلمه، كما أن المخلوقات بأَسْرِهَا إِنَّما هي آثارٌ لِهَذه الصفات، فإنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا وَأَبْدَعَ خَلْقَهَا بِعِلْمِهِ وقدرته ومشيته، ولا يَحُورُ أنْ يُوصَفَ شيء منها بالأَزَليَّة والقَدَم، أو يُنْفَى عنه كَوْلَهُ مخلوقا الله تعالى. فَإِنْ قيلَ: قد وَصَفَ اللهُ القرآن بأنه من كلامه حيث قال: {فَأَجِرْهُ حَتَّى

يَسْمَعَ كَلام الله له [التوبة /6]، والكلام صفةٌ أَزَليَّة اللَّهِ يُرَادُ بِهَا نَفْيُ الْخَرَسِ، كما يُنْفَسى بالعلم الجهلُ، وبالقُدْرَةِ العَجْرُ، وبالحياة الموتُ: قُلْنَا: لِلْكَلامِ مَعْنَيَانِ: ة أحدهما: القُدْرَةُ على القول، كما أن ضدَّهُ الذي هو الخَرَسُ عَجْرٌ عنه. ثانيهما: أثر هذه الصفة، وهو ما يَحْدُثُ ممَّا يُعَدُّ قَوْلاً، والتخليط بينهما

كالتخليط بين القُدْرَةِ والمَقْدُورِ عليه، والعِلْم والمعلُوم، والبَصَرِ والمُبصَرِ، والسَّمْعِ

والمَسْمُوعِ، والفَرْقُ بينهما ضَرُورِيٌّ.

هذا؛ وقد دلت النصوص الكثيرة على خَلْقِ القُرْآن؛

فإن الله تعالى وَصَفَهُ بأنه مُحْدَتْ في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثَ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء/2] وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرِ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثِ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء ه ا. والذِّكْرُ هنا بمعنى القرآن لدّلالة كثير من النصوص عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾

74