شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٨٨

الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف / 17]، وَيَقُولُ: {وَمَا تَشَاؤُونَ إلا أَنْ يَشَاء الله) [الإنسان /30]، وَيَقُولُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام /125].

وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أَدِلَّةُ العَقْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ نَفَذَ فِي هَذَا الكَوْنِ غَيْرُ مُرَادِ اللهِ لَكَانَتْ إِرَادَةُ غَيْرِهِ تَعَالَى غَالِبَةٌ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَهُوَ عَيْنُ الْمُحَالِ، وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا أَثَرَ لإِرَادَةِ الإِنْسَانِ فِي فِعْلِهِ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَهُ جَانِبُ الكَسْبِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الخَلْقُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَيْسَ اكْتَسَابُهُ لِمَا يَكْتَسِبُ أَمْرًا اضْطَرَارِيًّا، فَإِنَّمَا يَكْتَسِبُ مَا تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ إِرَادَتُهُ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُدْرِكُ الفَرْقَ بَيْنَ مَا يَقَعُ عَلَى الإِنْسَانِ اضْطَرَاريًّا وَمَا يَحْدُثُ لَهُ اختيارًا، فَحَرَكَتْهُ الاضْطِرَارِيَّةُ كَالرَّعْشَةِ وَالنَّبْضِ وَغَيْرِهِمَا هِيَ غَيْرُ الحَرَكَةِ الَّتِي تَكُونُ بتحريك مقصود من الإِنْسَانِ، كَحركة المني الاختبارِي وَتَناوله الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ،

وَدَفعه مَا يُرِيدُ دَفْعَهُ وَأَحْدَه مَا يُرِيدُ أَخَذَهُ

هَذَا؛ وَقَدْ وَقَفَ النَّاسُ مَوَاقِفَ مُتَبَايَنَةً فِي أَمْرِ القَدَرِ:

فَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ في إثباته؛ وَهُمُ الْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ قالوا لا فِعْلَ لِلإِنْسَانِ وَلَا

إرَادَةً، وَجَعَلُوا كُلِّ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرِّ كَالأُمُورِ الْحِيليَّة الاضْطِرَارِيَّةِ، وَمَثْلُوا

الإِنْسَانَ بِالخَيْطِ الَّذِي تُقَلِّبُهُ الرِّيَاحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّطَ في ذلك؛ وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ الذِينَ نَفَوْا أَثَرَ الإِرَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي فِعْلِ

العَبْدِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الإِنْسَانَ مُسْتَقِلُّ بِإِيْجَادِ فَعْله استقلالاً تاماً.

ا وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ بين المَوْقِفَيْنِ، وَقَالَ بِأَنَّ للإِنْسَانِ مِنْ فِعْله خَيْرًا كان أو شَرًّا جانبَ الكَسْبِ دُونَ الخَلْقِ، وَأَنَّهُ على كسبه يَتَرَتَّبُ ثَوَابُهُ أو عِقَابُهُ، أَمَّا الخَلْقُ فَاللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَتَنْدَرِجُ في ذلك أفعالُ العِبَادِ، فَإِنَّهَا مِنْ بَيْنِ الأَشَيَاءِ الدَّاخِلَةِ

في عُمُوم و كُلِّ شَيْءٍ).

79