شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٨٩

وذلك لا يُنَافِي أنَّ ما يأتي به الإنسانُ مُتَبَايِنٌ حُكْمُهُ عِنْدَ الله وعلى؛ مِنْهُ ما يُحبُّهُ الله وَمِنْهُ مَا يَكْرَهُهُ، فَالْخَيْرُ مَحْبُوبٌ لَهُ تَعَالَى والشَّرُّ بَغِيضُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ ل أَنْ يَهْدِيَ مَنْ شَاءَ لفعل الخَيْرِ وَأَنْ يَحْزُلَ مَنْ شَاءَ فَيَقَعُ فِي مَهَاوِي الشَّرِّ. وَمَنْ أتى خيرًا أو شَرًّا فَهُوَ مُحْتَارٌ في فعله، غَيْرُ مُكْرَه على ارتكاب أيّ مِنْهُمَا، وإِنَّما سَبَقَ عِلْمُ الله تعالى - وَهُوَ سَابِقٌ على كُلِّ شَيْءٍ – بِمَا يَخْتَارُ مِنْهُمَا، فَجَرَى بِذَلِكَ قَلَمُ قَضَائِهِ في الأَزَلِ، ولا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَلِذَلِكَ يُمَكِّنُهُ اللَّهُ مِنْ فِعْلِ ما يَخْتارُهُ عِندَمَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ إِرَادَتُهُ، وَيَخْلُقُهُ لَهُ لِيَكْتَسَبَهُ إِنْ أَرَادَ تَعَالَى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَيَجْعَلُ لَهُ مِنَ الْمَوَانِعِ مَا يَصْرِفُهُ عنه، وَهُوَ مُشَاهَدٌ فِيمَا يَقَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ من مثل ذلك.

يَجْتَمِعُ

وَهَذَا القَوْلُ هُوَ الْمَهْيعُ الْحَقِّ، والعمل الادلة الكَثِيرَةِ الَّتِي قَدْ تَبْدُو دلالاتها - بَادِيَ الرَّأْي - مُتَبَايَنَةً، وَقَدْ تَعَلَّقَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَبَايَنَتَيْنِ بِطَرفٍ مِنْهَا مَع إِهْمَالِهِ للطرف الآخر

فالَّذِينَ عَزَوْا أَفعالَ العَبْدِ إِلى اللهِ وَلَمْ يَجْعَلُوا لِلْعَبْدِ فِيهَا كَرْبًا تَشَبُّثُوا بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف /17] وَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة /272] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص / 56] وَقَوْله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [الإنساد /130 وَقَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ

،

وأحيا} [النجم /43 - 44 |، وَذَلِكَ أنْ الضَّحِكَ والبُكَاءَ يَصْدُرَانِ مِنَ الْعَبْدِ فَهُمَا مِنْ فَعْله وَلَكنَّ الله أَسْنَدَهُمَا إِلَيْهِ عِنْدَمَا بَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ يُضْحَكُهُ وَيُبكيه، كَمَا أَنَّهُ هُوَ الذي يُمِيتُهُ وَيُحْيِيهِ، وَلا أَثَرَ لِفِعْلِ العَبْدِ

في الْمَوْتِ وَالحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ لا أَثَرَ لَهُ في الضحك والبُكَاءِ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد/31] وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام / 149 | وَقَوْلِهِ فِي الْحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عند الله﴾ [النساء/78 |.

A.