شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٩٨والإيمانُ برُسُله هو الإيمانُ بصَفْوَتِه مِمَّن خَلق، أرسلهم الله مُبشرين ومنذرين، واختصهم بأن جعلهم وعاء لهدايته ومَشْرِقًا لِنُورِهِ، وميَّزهم بأن رفعهم على غيرهم درجات، وهذا الإيمانُ إذا ما امتزج بمشاعر النفس قادها إلى حُسْنِ التأسي بأولئك الْمُرْسَلين واتباع هداهم وتَجَنُّب ما جَانَبَهُ
•
والإيمان باليوم الآخر هو إيمان بالْمُنقَلب الذي لا مفر لأحد منه، وفيه يُجزَى كلُّ أحد بمَا كَسَب مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلَنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت/46] على أن الجزاء في ذلك اليوم مُباين لكلّ ما يكون من جزاء في الدنيا، إذ لا ينقطع خيره ولا شَرُّه، وكلّ منهما أعظم من أن تكتبهه البصائر أو يرتسم في ألواح الخيال، فلذلك كان منشأ للصلاح والاستقامة وينبوعاً للهداية والفضائل.
ولذلك كثيراً ما يقترن بالإيمان بالله في النصوص القرآنية والنبوية في مقام الدعوة أو التحذير، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر﴾ [البقرة /232]، وقوله: هو لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب/21]. وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جَارَه»، وقوله: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت
والإيمان بقضاء الله وقدره ينشأ عنه التسليم لأمر الله والرضا بصروف قضائه وبالجملة فإنَّ الإِيْمَانِ الْمَطلوب مِنَ الْمَرْءِ ليس أمرا نظريًّا فَحَسْبُ، وإنما هو
عقيدة ينبثق منها منهج ربّاني يشمل جميع تصرفات الإنسان فعلاً وتركا. والمراد بـ «القول الإيمانِي - في قول الْمُصَنِّف -: الشهادتان، كما دلّ عليه
حديث «أُمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله». والمراد بـ «التصديق»: هو التصديق بمضمونها جملة وتفسيرًا، وقد سبق أن الإنسان إنَّما يُتَعَبَّدُ بالجُمْلَة أولاً، وعندما تقوم عليه الْحُجَّةُ بتفسيرها الاعتقادي أو شيءٍ منه يجب عليه الإتيان بما قامت به الحجة عليه، ولا اعتبار للقول وحدَه، فَإِنَّ مَنْ جاء بالقول من غير تصديق كان منافقا نفاقا اعتقاديا، ومعنى ذلك أنه في باطنه حكمه
89