شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد - ط. الكلمة الطيبة
الجزء ١ · صفحة ١٣٨شَرْحُ غَايَةِ الْمُرَاد فِي نَظْمِ الاعْتِقَادِ
أما الذينَ أَثْبَتُوا اللَّهِ تَعَالَى الْخَلْقَ وَلِلْعَبْدِ الْمَخْلُوقِ الكَسْبَ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِالنَّظَرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ جَمِيعًا، فَفَهِمُوا أَنَّ ما كان مُسْنَدًا إِلَى اللَّهِ فَإِسْنَادُهُ إِلَيْهِ لأنَّهُ خَالِقُهُ وَمُقَدِّرُهُ، وَمَا كان مُسْنَدًا إلى العِبَادِ فَإِسْنَادُهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ اكْتِسَابِهِمْ إِيَّاهُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الكَسْبُ بِإِكْرَاهِ مِنْهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا اخْتَارَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمُ الخَيْرَ وَمَنْ شَاءَ الشَّرَّ، وَكُلٌّ مُيَسَّرْ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
وَقَدْ عَلِمَ اللهُ في الأَزَلِ مَا يَكُونُ مِن اخْتِيَارِ كُلّ لِنَفْسِهِ، وَجَاءَ الخَلْقُ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ مَقْرُونًا باخْتِيَارِ العَبْدِ الْمُكْتَسِبْ لِيَتَأَنَّى لَهُ الكَسْبُ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، ولا يَعْنِي هَذَا أَنَّ لاخْتِيَارِ الإِنْسَانِ أَثَرًا فِي فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَإِنَّما ذَلِكَ عِنْدَمَا يُريدُ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَنْفُذَ مَشِيئَةُ العَبْدِ بِكَسْبِهِ الخَيْرَ أو الشَّرَّ، وَقَدْ تَكُونُ مَشِيئَتُهُ تَعَالَى خِلافَ ذَلِكَ، فَلا يَقَعُ إِلَّا مَا شَاءَ، وَيَحُولُ بَيْنِ الْعَبْدِ وَبَيْنَ مَشِيئَتِهِ، عَنِ الشَّرِّ الذي اخْتَارَهُ، أَو يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
فَيَصُدُّهُ
الخَيْرِ.
138
المحتويات 1