شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد - ط. الكلمة الطيبة
الجزء ١ · صفحة ١٨٧شَرْحُ غَايَة الْمُرَاد فِي نَظْمِ الاعْتِقَادِ
فما أسْرَعَ هذا التَّحَوُّلَ مِنَ النَّقِيضِ إِلَى النَّقِيضِ! وما أَعْجَبَ هذا التَّبَدُّلَ فِي الطَّبَاعِ وَالْمَعَابِيرِ والتَّصَوُّرِ! على أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَدَرُّجا؛ بِحَيْثُ أَخَذَتْ تَنْحَلُّ عُقَدُ تَصَوُّرَاتِهِمُ السَّابِقَةِ شَيئًا فَشَيْئًا، وإِنَّما كان ذلك أَمْرًا مُفَاجِيًّا فِي نَفْسٍ لَحَظَاتِ مَوْقِفِ الحِوَارِ، فَمَا الَّذِي جَعَلَهُم يُلْقُونَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كُلَّ ما كانوا عليه مِنْ قَبْلُ، وَيُوَدِّعُونَ حَيَاتَهُمُ الأُولَى بِجَمِيعِ تَصَوُّرَاتِهَا وأَفْكَارِهَا وَمَوَازِينِهَا وَمَعَايِيرِهَا؛ لِيَسْتَقْبِلُوا حَيَاةً جديدةً تَتَّسِمُ بِخِلافِ ما كانوا عليه مِنْ قَبْلُ ظاهِرًا وباطنا؟ إنَّه الإِيْمَانُ الذِي حَوَّلَ الطَّبَاعَ غَيْرَ الطَّبَاعِ والأَفْكَارَ غَيْرَ الْأَفْكَارِ والنُّفُوسَ
غَيْرَ النُّفُوسِ.
وهكذا كانَ أَثَرُ الإِيْمَانِ فِي نُفُوسِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ الَّذينَ بايعوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الحَقِّ، وَنَفَضُوا عَنْ أَنفُسِهِم كُلَّ ما عَلِقَ بِهَا مِنْ غُبَارِ الْمَاضِي، بَلْ تَطَهَّرُوا
كُلِّه،
بِمَعِينِ الإِيْمَانِ الدَّفَّاقِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ مَاضِيهِمْ لِيَعُودُوا كَأَنَّمَا أُنْشِئُوا نَشْأَةً جَدِيدَةً بِنُفُوسِ غَيْرِ
187
المحتويات 1