شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد - ط. الكلمة الطيبة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٢شَرْحُ غَايَةِ الْمُرَاد فِي نَظْمِ الاعْتِقَادِ
وَقَدْ كَشَفَتِ الأَيَّامُ عَنْ سَدَادِ نَظَرِهِمْ وَجَلَاءِ بَصِيرَتِهِمْ وَصَوَاب مَوْقِفِهِمْ، إِذْ جَرَّتِ الفِتْنَةُ الَّتِي كانوا يَحْذَرُونَهَا على الأُمَّةِ شَرًا مُسْتَطِيرًا، وَنُكِبَتْ بِسَبَبِهَا بِخَسَارَةٍ لا تُقَدَّرُ بِثَمَنِ، إِذْ فَقَدَتْ ذَلِكَ النِّظَامَ في الحُكْمِ الَّذِي كان مِثَالًا لِلنَّزَاهَةِ والعَدْلِ، وَكَانَ مَعْقِدًا لاجْتِمَاعِهِمْ وَمَنَاطًا لِتَرَابُطِهِمْ، فَإِذَا بِتِلْكُمُ الوَحْدَةِ الَّتي كانت تُنَظِّمُ شَمْلَهُمْ تَتَحَوَّلُ إِلَى قَطِيعَةٍ نَكْرَاءَ، حَتَّى كَان بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا.
وَرَزَحَتِ الأُمَّةُ تَحْتَ نِيرِ الْجَبَّارِينَ وَقَهْرِ الظَّالِمِينَ، مُسْتَمْرِئَةٌ الذُّلَّ وَالهَوَانَ، مُبَرِّرَةً كُلَّ مَا أَصَابَهَا مِنَ الْمُتَسَلِّطِينَ بِمُبَرِّرَاتٍ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، فَأَصْفَتْ على ظُلْم الظَّالِمِينَ صِفَةَ الشَّرْعِيَّةِ، وَجَعَلَتْ طَاعَتَهُمْ أَمْرًا مَحْتُومًا عَلَى العِبَادِ بِانْدِرَاجِهِ ضِمْنَ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِهَذَا انْقَلَبَتِ الْمَقَابِيسُ، وَتَبَدَّلَتِ الْمَوَازِينُ، وَاشْتَبَهَتِ الأُمُورُ، حَتَّى أَصْبَحَ الحَقُّ بَاطِلًا وَالبَاطِلُ حَقًّا.
322
المحتويات 1