شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد - ط. الكلمة الطيبة
الجزء ١ · صفحة ٨٤شَرْحُ غَايَةِ الْمُرَاد فِي نَظْمِ الاعْتِقَادِ
فَوَضَحَ لِكُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عليه أَنْ يَكُونَ اسْتِوَاؤُهُ على العَرْشِ بِالْمَعْنى الْمَادِّيِّ؛ وهو القُعُودُ والاستقرار كَمَا أَخَذَتْ بِهِ الْمُشَبِّهَةُ، وَتَعَيَّنَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الكِنَايَاتِ، وذلك مَعْهُودٌ في الخِطَابِ العَرَبي وغيرِه كَمَا يُقَالُ: فُلانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ؛ كِنَايَةً عن طُولِ قَامَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِجَادٌ، وَكَمَا يُقَالُ في الكَرِيمِ بأنَّهُ: كَثِيرُ الرَّمَادِ، مَهْزُولُ الفَصِيلِ، جَبَانُ الكَلْبِ، وَلَوْ لَمْ تُوجَد حقيقةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا وُصِفَ بِهِ.
وعَلَيْهِ فَإِنَّ استواءه على العرش إِنَّما هو بِمَعْنى هَيْمَنَتِهِ عَلى خَلْقِهِ وتَدْبِيرِهِ لأُمُورِهِمْ وَتَصْرِيفِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ في الكائنات على أَنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الاستواء بِمَعْنى الاسْتِيلاء، كَمَا يقولُ الشاعرُ:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرُ عَلَى العِرَاقِ
مِنْ غَيْرِ سَيْفِ وَدَمٍ مُهْرَاقِ
وهَذَا المَعْنى أَوْلَى أنْ تُحْمَلَ عليه الآياتُ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ دَلِيلِ العَقْلِ والنَّقْلِ مِنَ اسْتَحَالَةِ المعنى المادّيّ الظَّاهِرِ، فإنَّ العَرْشَ الجِسْمَانِيَّ مكانٌ كَغَيْرِهِ
??
المحتويات 1