التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٠

ترتّب عنها من اختلاف النّاس بين الولاية والبراءة والوقوف(1). "وفعلا تصل الرّسالة إلى أهل المغرب ويسدل السّتار على هذه القضيّة، ومعنى ذلك أنّها فعلت فعلها وألّفت بين القلوب".(2)

يبقى حملة العلم ومعهم أهل المغرب على صلة بالإمام أبي عبيدة، يستشيرونه ويفزعون إليه في الملمّات، ويأخذون برأيه فيما يستجدّ من أمور.

لمّا قامت دولة أبي الخطّاب في طرابلس حرص إباضية المغرب على توطيد العلاقة بإمام المذهب الثّاني أبي

عبيدة، فأرسلوا إليه رسالة(3) يخبرونه فيها بقيام الدّولة التي كانوا قد استشاروه فيها قبل مغادرة البصرة، إن هم قدروا على ذلك، كما عرضوا عليه بعض المسائل وطلبوا منه إجابتهم عنها، بصفته شيخهم ومرجعهم في شؤونهم. وقد سُرَّ أبو عبيدة بهذه الرّسالة، وبهذه اللّفتة من تلاميذه ومن أبناء المذهب.

يعدّ هذا التّصرّف خطوة إيجابيّة ومهمّة في مزيد من توطيد العلاقة بين المشرق والمغرب: " أتاني كتابكم، تذكرون فيه ما منّ الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممّن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم. نسأل الله لكم العون والتّوفيق في جميع أموركم، وأن يكفينا وإيّاكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدّائرة عليهم، ويشفي صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم …

فلعمري لقد سرّنِي ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يَخفَ عنّا، غير أنّنا لم نظنّ الذي كتبتم به إليَّ، والله سيتمّ لكم الخير كلّه بعونه وتوفيقه.

أتانا كتابكم بمسائل، فمنها ما رأيت أن أُجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألاّ أحبيكم فيها، من غير هوان ولا تقصير، إلاّ الذي رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم، وأرفق لضعيفكم، وأعطف لقويّكم وأجمع لأموركم، وما توفيقي إلاّ بالله … وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّه ويرضاه … "(4)

إنّ هذه الرّسالة تكشف عن مدى العلاقة الرّوحيّة الوطيدة التي تربط المشرق بالمغرب، ومركزَ القيادة في البصرة بِروّاد الدّعوة وقادتها في المغرب الإسلامي. كما تُبيّن حرص أبي عبيدة ومن معه ومن جاء بعده من الزّعماء الرّوحيّين للجماعة الإباضيّة على توفير أسباب الاستقرار والنّجاح للدّولة الخطّابيّة الفتيّة، وللدّول التي تتعاقب بعد ذلك. يبدو ذلك في طريقة الإجابة، والتّمييز بين ما يمكن الإجابة عنه، وما يتعذّر، وما يؤجّل؛ استجابة للظّروف التي تمرّ بها الدَّولة الجديدة في المغرب، وما يعيشه الإباضيّة بعامّة. كما يؤكّد هذه العلاقة الحميمة ائتمارُ أهل المغرب بأوامر مركز القيادة في البصرة وأئمّتهم، واستشارتُهم والاستئناسُ بآرائهم. بل إنّهم يرجعون "بالمشورة إلى أهل المشرق في الكبيرة والصّغيرة، ولا يطمئنّ لهم بال حتّى ترد الرّسل أو الأجوبة من هناك."(5)

(1) - ينظر تعليق على هذه الرّسالة كتاب علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص: 16 – 19.

(2) - م. س، ص: 19

(3) - يذكر فرحات الجعبيري أنّ الرّسالة، وجّهها عن إباضية المغرب، إلى أبي عبيدة الشّيخ اسماعيل بن سليمان المغربي، ويقول: لعلّه أحد عمّال الإمام أبي الخطّاب، ينظر المرجع السّابق، ص: 20.

(4) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، رسالة مسلم بن أبي كريمة في الزّكاة للإمام أبي الخطّاب المعافري، سلسلة "تراثنا" عدد: 34. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1982 م، ص: 3.

(5) - علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص55.:

١٠ / ١٢٠