التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١١يبقى سؤال مهمّ، يتعلّق بالبدايات الأولى للعلاقة بين إباضيّة المغرب والمشرق والاتّصالات بينهما. وهي هل يمكن العثور على ما يثبت حصول اتّصالات بين أهل المغرب وإمام المذهب الإباضي جابر بن زيد؟
هذه المسألة أثارها الدّكتور فرحات الجعبيري.(1) فهو يسجّل ــ آسفا ــ أنّ الرّسائل القليلة التي عثر عليها، ممّا ينسب إلى جابر بن زيد، ليس فيها ما يشير إلى حصول أيّ اتّصال بينه وأهل المغرب، والأمر نفسه ينسحب على المصادر والمراجع الإباضيّة وغير الإباضيّة، التي ترجمت لجابر بن زيد، إلاّ أنّ الدّكتور لا يستبعد حصول هذا الاتّصال، سَنَدُهُ في هذا هو ما شهدته العلاقة بين المشرق والمغرب من قفزة نوعيّة وقويّة في المرحلة الأولى من تولّي الإمام الثّاني أبي عبيدة مسؤوليّة الدّعوة في البصرة، إثر خروجه من سجن الحجّاج. فهو يرى أنّ هذه القفزة القويّة لا يمكن، أو يصعب أن نسجّل أنّها حصلت من دون تمهيد سابق، لذا فإنّ أمله كبير أن يجود الزّمن ببعض الوثائق، التي تسجّل حصول هذا الاتّصال.
أمّا نحن فإنّنا نستبعد حصول هذا الاتّصال من وجوه:
1) إنّ جابر بن زيد لم يكن معروفا، لأنّ دعوته كانت تعيش أو تتحرّك في سرّيّة تامّة. إنّها كانت محاصرة حصارا شديدا من الدّولة الأمويّة وعمّالها كزياد ابن أبيه، وابنه عبيد الله والحجّاج … يكفي أن نذكر أنّ جابر بن زيد قد نفي إلى عمان، كما أنّ المغرب الإسلامي كان بعيدا عن مركز الإباضيّة، وجابر بن زيد في البصرة. فكيف تصل أخباره إلى أهل المغرب وسط هذه الأجواء المحمومة والمكفهرّة.
2) إنّ أوّل داع قدم إلى المغرب يدعو إلى المذهب الإباضي هو سلمة بن سعد، وقد كان ذلك أواخر القرن الأوّل الهجري وأوائل الثّاني(2)، وهي الفترة التي تُوُفّيَ فيها الإمام جابر بن زيد. وسلمة بن سعد كان يدعو الله أن يوفِّقه إلى إظهار المذهب الإباضي ولو يوما واحدا، ثمّ لا يبالِي إن ضربت عنقه بعد ذلك مباشرة: "حدَّث غير واحد من أصحابنا عن الإمام أفلح، وعن أبيه عبد الوهّاب عن جدّه عبد الرّحمن بن رستم أنّه قال: أوّل من جاء يطلب مذهب الإباضيّة بقيروان إفريقيا سلمة بن سعد … فسمعت سلامة يقول: وددت لو ظهر هذا الأمر، يعني مذهب الإباضيّة يومًا واحدا، من أوّل النّهار إلى آخره، فلا آسَفُ على الحياة بعده."(3)
يدلّ هذا على أنّ المذهب الإباضي كان غير معروف في المغرب إلى حين وفاة جابر بن زيد، فكيف يمكن أن
يحصل اتّصال أهل المغرب … بإمام المذهب؟
3) إنّ الإمام عبد الرّحمن بن رستم (ت 171هـ) أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب، الذين كان لهم دور كبير في انتشار المذهب الإباضي في المنطقة. هذا الإمام حين يسمع بسلمة بن سعد، يتحمّس لأمر التّعلّم والتّكوّن والتّحصيل. فيُشَار إليه بوجود رجل عالم في البصرة، يمكن له أن يجد فيه رغبته ومطلبه … فأحد حملة العلم يرغب في التّعلّم، فيحتار إلى أين يتوجّه
(1) - م. س، ص: 13.
(2) - حصاد ندوة الدّراسات العمانية مج3، ص: 271.
(3) - أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني، كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، ج1 تحقيق الأستاذ ابراهيم طلّاي، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر) (من دون تاريخ)، ص: 11، 12. ينظر سير الشّماخي، ج1، ص: 90، 91.