التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

الجواب: إنّها بلاد عرفنا اهتمام الإباضيّة فيها بتحفيظ القرآن الكريم على طرق سليمة، وأسس مستقيمة، يعيش بينهم حافظ القرآن بيئة القرآن. فربّما تجد في بعض الدّول الإسلاميّة أمكنة لحفظ القرآن مع جماعة من المشائخ والتّلاميذ، إلاّ أنّك لا تعيش معهم ذلك المجتمع، الذي تعيشه في وادي ميزاب، إذ أنّك تعيش في وادي ميزاب وأنت تحفظ القرآن مجتمعَ القرآن، وتجد أناسا كثيرين هم مصاحف، تمشي على الأرض، فكأنّما أنت هناك بين قواعد تحفظها، ثمّ تطبّقها عمليّا، يجعلها أشدّ رسوخا في سلوك النّفس، بعدما رسخت في جوانح الفؤاد. ومع كلّ هذا فقد لاحظنا من سبقنا من الإخوة إلى حفظ القرآن في هذه البلاد، يثني عليها ثناء جميلا، فعقدنا النّيّة على زيارتها، وكان ذلك دافعا إلى محاولة السّفر إليها.

وأمّا عن كيفيّة حفظ القرآن في هذه البلاد وكيفيّة تحفيظه، فقد وجدنا الطّلبة من قرى وادي ميزاب، يتوافدون إلى معهد الحياة في فترة الإجازة الصّيفيّة، فيجتمعون فيه، لهم فيه المسكن والمأكل والمشرب، يجمعهم النّظام والهدف المشترك، وتحد وهم الرّغبة العارمة في استظهار القرآن الكريم. نجدهم يحفظون القرآن في المسجد (المصلّى)، يبدأون من صلاة الفجر إلى قبيل الظّهر، فيقيلون ثمّ يتغذّون (يأكلون الغذاء)، ثمّ يعودون إلى حفظ القرآن حتّى موعد العشاء، ثمّ يتوقّف عملهم في العاشرة ليلا، فيأخذون قسطهم من نوم اللّيل. ويساعدهم بالاستظهار والمراجعة أثناء فترة الحفظ طلبة عرفاء، أي نوّاب عن الشّيخ، الذي يُعرَض عليه العرضة الأخيرة، يحفظون القرآن ويساعدون الطّلبة في الاستذكار والمراجعة والاستظهار. وقد تبرّع أحد هؤلاء العرفاء فأقام معنا في البيت الذي هُيِّئَ لنا؛ كي نحفظ فيه، حتّى نراجع عنده ما نحفطه يوميّا. وعندما ينتهي الطّالب من خمسة وعشرين جزءا أو القرآن كاملا، يبدأ عرضه على الشّيخ في المسجد ثلاث مرّات غالبا. وقد استظهرت أنا عند الشّيخ "كرشوش محمّد" مرّتين، الأولى كانت سبعة أجزاء، بعد صلاة العصر إلى قبيل صلاة المغرب، فاستظهرته في أربعة أيّام. والثّانية كانت سبعة أجزاء، أو ثمانيّة، من بعد صلاة الفجر إلى قرب شروق الشّمس، وكذلك بعد صلاة العصر، فاستظهرته خلال يومين. ثمّ عرضت القرآن العرضة الأخيرة من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظّهر عند الشّيخ "الحاج داود احْجوجَه"، من هيئة العزّابة. وكثير من الطّلبة ينتهون من استظهاره في السّاعة العاشرة والنّصف صباحا. أمّا أنا فقد استطعت أن أصل إلى سورة الشّورى من الجزء الخامس والعشرين، ثمّ أذّن المؤذّن لصلاة الظّهر، فأكملت ما تبقّى بعد صلاة العصر. وبذلك صرت حافظا عندهم وعند نفسي. ذلك أنّ الطّالب يحسّ بمقدار تمكّنه في الحفظ، عندما يعرضه المرّة تلو المرّة على شيخه. وإذا قال له الشّيخ: حفظك جيّد، فكأنّما السّموات والأرض على رحابتها لا تسع فرحته. وكان بودّي ــ والله ــ لو تركني الشّيخ، ولولا شدّة حيائي أن أقوم فأقبّل رأسه، عقب فترة الاستظهار، وكم تكون فرحة مدارس القرآن بأكملها عندما ينتهي الطّالب من حفظ القرآن، فنجد أنّ الطّلبة الذين يستظهرون القرآن يحضرون أكثر من حفل لتكريمهم، ويُلبسون لباسا خاصّا بهم، ويُسمح لهم في دخول حلقة "إيروان" لحفظة القرآن الكريم.

ممّا لاحظنا سرعتهم في قراءة القرآن، سرعة لامثيل لها، خاصّة الطّلبة الذين يحاولون حفظ القرآن، ربّما ليكسبوا الوقت، أو ليكون حفظهم أكثر تركيزا. وهذا في حدّ ذاته صحيح إذ أنّ الطّالب بتلك السّرعة يستطيع عند المراجعة أن يسترجع سبعة أجزاء وأكثر في اليوم. ولقد كان من نصائح المشائخ للطّلبة، بعد حفظهم القرآن أن يراجعوا منه سبعة أجزاء كلّ يوم على الأقلّ، فلو كان الطّالب بطيئا في قراءته لربّما داخل نفسه الوهن وعدم المقدرة.

ـــ التّعرّف على المجتمع الميزابي

١٠٠ / ١٢٠